واجب الوقتِ هو الأفضل! (2/2)
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/03/29 الموافق 2016/12/28 - 08:57 ص

 

في الحلقة الماضية، تناولنا مسألةً من المسائل المهمّة: هل العلم وطلبُ العلم أفضل من العبادة المخصوصة كنوافل الصلوات، مثل قيام الليلِ؟!

وأهمية هذه المسألة، ناتجةٌ من كون الجواب فيها ينبني عليه عملٌ، بل ينبني عليه التزامُ طالب العلم بقاعدةٍ عامّة، تؤطر سلوكه العمليّ، فإذا كان يرى أن طلب العلم أفضل من العبادة النافلة مطلقاً، فسيكون ذلك ديدنه، وبالتّالي تحتلّ نوافلُ العبادة من  قيام الليل وغيره، مكاناً هامشيّاً في  حياته، ومن ثمّ تعروه آثار هذا التّهميش، من جفاءٍ وغلظةٍ في السُّلوك والمعاملة، وعدم اهتمامٍ حتى بفروض العبادة، ومن شواهد ذلك، ما شاهدتُه مرّةً في الحرم النّبويّ، من بعض طلاب العلم الشرعيّ، عند إقامة صلاة الفجر، فبدلاً من الاستعداد والتّهيُّؤ للوقوف بين يدي الله عزّ وجلّ، إذا بهم يتسابقون من أجل تسجيل أسمائهم في كشف الحضور، حتى يظفروا بأولوية  القراءة على الشيخ، بل رأيتُ أحدَهم لم يجد قلماً يسجِّل به اسمه، فماذا فعل، والصلاة قائمةٌ، والإمام يقرأ؟! أدخل يده في جيب أحد المصلّين، فأخذ قلمه ثمّ ردّه إلى جيب هذا المصلّي مرّةً أخرى!

لا ريب أنّ هذا الصنيع لا يصدر إلا عن طالب علمٍ لا يعرف آداب طلب العلم، ويُبرّر لمسلكه هذا، بتلك القاعدة: أن طلب العلم خيرٌ من نوافل العبادة، كالذّكر أدبار الصلوات، وقيام الليل.

وما تزال المسألة يحفُّ بها من الغموض ما يحِفُّ، لكن ثمّة قاعدةٌ من شأنّها إذا التزم بها المرء، أن تكشف ذلك الغموض وتزيله كلّيّةً، ألا وهي قاعدة: "واجب الوقت".

يذكر الإمام ابن القيم، في "مدارج السّالكين"، أنّ الناس قد اختلفوا في تحديد أفضل الأعمال، فكانوا في ذلك عدّة مذاهب:

 فرأى البعضُ أنّ أنفع العبادات وأفضلها ما كان شاقّاً على النُّفوس!

 ورأى آخرون أنّ أفضل العبادات التجردُ والزهد في الدنيا!

 وجزم آخرون بأن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفعٌ متعدٍّ، فرأوه أفضل من ذي النَّفع القاصر، فاجتهدوا في خدمةَ الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم!

وفي سياق مسألتنا هذه، يرى البعضُ أنّ العلم وطلب العلم، هو أفضل الأعمال.

فما هو الموقف الصحيحُ، بحسب ما يرى ابن القيم؟

يرى ابن القيّم، أنّ الموقف الصحيح، يتجاوزُ هذه المواقف كلّها، ألا وهو: واجبُ الوقتِ، وما يقتضيه الظرفُ الرّاهنُ من العبادة، وبالتالي فإنّ أفضل الأعمال، وأفضل العبادات، هو: العملُ على مرضاة الرَّب في كلِّ وقت، بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً: القيامُ بحقه والاشتغال به عن الورد المستحبِّ، والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار، والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبالُ على تعليمه والاشتغال به! والأفضل في وقت استغاثة الملهوف إغاثته،... والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره.1

ولا شكّ أنّ هذه القاعدة، هي التي تشهد لها جميع النُّصوص الشرعية، فالأمر الأفضل هو ما يجبُ القيام به، بحسب ما يقتضيه الوقت المعيّن، ففي كلّ وقتٍ معيّن، ترد على المرء واردات وأحوالٌ مختلفة، عليه أن يستجيب لها، بحسب ما يقتضيه الشرع، لا باتّباع الهوى.

فعلى طالب العلم أن ينتبه لهذه القاعدة المهمّة، ويؤطر بها سلوكه العمليَّ، بان يكون شغلُه الشاغلُ في كلّ وقتٍ: أن يقوم بما يُرضي الله عز وجلّ عنه، بحسب ما يقتضيه ذلك الوقت المعيّن.

ويؤيّد هذه القاعدة المهمّة، ما ورد في الحديث القدسيِّ، "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " إِنَّ اللهَ - عز وجل - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي؟، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟!

يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟، قَالَ يَا رَبِّ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟!

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟

يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ , قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ, أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ , وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي"2.

إذن، واجبُ الوقتِ عند علمك بمرض أخيك المسلم، أن تعودَه، وعندما يستطعمك الجائع أن تطعمه، وعندما يستسقيك الظّامئ أن تسقيَه، وعندما يستغيث بك الملهوف أن تُغيثه، والأفضل في الليل إذا خلوتَ من الشواغل، واستشعرتَ في قلبك وحشةً وقسوةً: أن تلوذ إلى قيام الليل، وتقف بين يدي مولاك الجليل، لا يصرفنّك عن ذلك صارف، وذلك مثلما أنك إذا رأيت مؤشر الوقود في سيّارتك، يُنذر بالنّفاد، فإنك ستقف في أقرب محطّةٍ للتّزوّد بالوقود.

إنّ العبادات المخصوصة، فريضتها ونفلها، هي محطّاتٌ للتّزوّد بالوقود الضروريّ اللازم لتشغيل مركبة حياتك، وسيرها على صراط الاستقامة، فلا ينبغي أن تنصرف عنها بدعوى أفضليّة العلم عليها.

1مدارج السالكين: 1/88

2صحيح مسلم 43 - (2569).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
موقف فقهاء الحنابلة من مسألة وقت السِّواك المؤكد
فقد رأينا من قبلُ: أنّ الفقهاء قد اتّفقوا على أنّ السّواك سنّةٌ مستحبَّةٌ، وليس بواجب، إلا ما رُوي عن إسحاق بن راهويه، وداود بن عليٍّ، قال ابن قدامة: (أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ السِّوَاكَ سُنَّةً غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ إلَّا إِسْحَاقَ وَدَاوُد).
مفهوم الكمبيالة وأحكامها الأساسيّة
فإنّ النّشاط التّجاريّ بين البشر، إنّما يتمُّ عبر وسيطٍ ذي قيمةٍ مادّيّة نفعيّة، يتمّ على ضوئه تقييمُ ما لدى كلِّ فردٍ من السِّلع والمنافع، حتّى يتسنّى بناءً على ذلك تحقيقُ عمليّة المبادلة التي هي جوهرُ كلّ نشاطٍ تجاريّ.
في بيان مفهوم الوسيط التجاريِّ وتطوُّره
فهذا مبحثٌ ممّا تمسُّ إليه حاجةُ الفقيه وطالبُ الفقه، من الإلمام بواقع النشاط التجاريّ، وتطوّره عبر العصور، والإلمام بالظروف الواقعيّة التي أسهمت في هذا التّطوّر؛ وذلك كما قرّر العلامة ابن القيم أنّه: (لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م