مشكلة فهم واختيار منهج البحث (2/2)
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/03/20 الموافق 2016/12/19 - 09:25 ص

تبيّن لنا1 في سياق الردّ على الاستشارة السّابقة: أنّ هناك غموضاً كثيفاً، يُحيط بمفهوم "منهج البحث العلميّ"، يحولُ بين الباحثِ وحسن استغلاله لمنهج البحث، في إنجاز بحثه.

وقد تبيّن لنا كذلك، أنّ هذا الغموضَ سببُه هيكليٌّ، أي له علاقةٌ بجذر منهج البحث المعاصر، وطبيعةِ نشأته في بيئةٍ علمانيّة.

وبما أنّه من الواجب المتعيِّنِ على كلّ مسلم، أن يَبنيَ رؤيته المنهجيّة للكون والحياة والإنسان، على أساس مبادئ العقيدة الإسلاميّة، فكذلك ينبغي للمسلم أن يؤسّس رؤيته لمنهج البحث العلميّ، على أساس مبادئ هذه العقيدة، وعلى طبيعةِ رؤيتها المنهجيّة، فإنّ هذا الأساس المُحكمَ، هو المدخل الرّئيس لإدراك المعنى الصحيح للمنهج  العلميّ.

وفي هذا الصّدد، لا نزعم أنّ معرفتنا الرّاهنة بمنهج البحث العلميّ، لا خيرَ فيها، بل فيها خيرٌ كثير، فهي ثمرةُ جهد إنسانيٍّ دؤوب، ولكن نعني أنّ فهمَ الرؤية الإسلاميّة الكلّيّة للوجود، سيُزيل كثيراً من الإشكالات العالقة بمنهج البحث العلميّ المعاصر.

ومِمَّا يُعين الباحثَ، على إدراك الرؤية الإسلاميّة الكلّية: التفكّرُ في معاني القرآن الكريم ودلالاته الكلّية، أي ليس بالاقتصارِ على معرفة الحقائق الجزئيّة المتعلّقة بمختلف العلوم الشرعيّة، ولا حتّى بالاقتصار على معرفة كلِّ هذه العلوم، ولكنَّ المقصودَ إدراكُ رؤيةٍ منهجيّة كلّيّة، تنبثقُ من التّفكّر في جملة معاني القرآن.

ومن الدراسات الإسلاميّة التي تكشف عن حقيقة  هذا المنهجِ، وتُنوِّه بآفاقه الفسيحة، يجيء في المقدّمة كتابُ "العقيدة التَّدمريّة" لشيخ الإسلام ابن تيمية، الّذي يتضمّن رؤيةً منهجيّة شرعيّةً كونيّة، تستند إلى حقائق العقيدة الإسلاميّة، ثمّ  كتاب الإمام الشّاطبيّ "الموافقات"، الّذي حدّد هدفه من ورائه، بأنّه "التَّعريف بأسرار التّكليف".

ثمّ تجيء دراساتٌ معاصرةٌ أخرى متميّزة، اهتمّت ببيان خصائصِ التَّصوُّر الإسلاميّ ومقوماته، والخصائصِ العامّة للإسلام، استناداً إلى القرآن الكريم.

وما قرَّرناه ضمنَ هذه النافذة "استشارات الباحثين"، وضمن نافذة "مناهج البحث"، من الحقائقِ المنهجيّة المهمّة، هو من ثمراتِ تلك الرؤية القرآنيّة الكلية، حيث قرّرنا أنَّ:

أُولى هذه الحقائق، هي: أنّ للمعرفة العلميّة حقلين اثنين، لا ثالث لهما إلا الجامعُ بينهما: حقل يدرس الظواهر الكونيّة والاجتماعية، لاستنباط قوانينها وسُنَنِها، وحقل يدرس الظواهر اللّغويّة، أي النّصوص، لاستخراج المعاني والدِّلالات الكامنة فيها، وفي هذا الحقل الأخير، تندرج الدِّراسات الشرعيّة النظرية.

والثَّانية: أنّ للمنهج العلميّ طريقتينِ في الاستدلال، لا ثالثة لهما إلا الجامعةُ بينهما: وهاتان الطريقتان هما: طريقةُ الاستدلال الاستقرائيّ، انطلاقاً من الظواهر والدلالات الجزئيّة إلى الكلّ، وطريقةُ الاستنباط المنطقيّ التي تنبني على طريقة الاستقراء، وتنبثقُ منها.

والثالثة: أنّ طريقة الاستدلال، سواءٌ كانت استقرائيَّة أو استنتاجيَّة، فإنّها إمّا أن تكون عَرْضيّة (أفقيّة) أو طُوليّةً (رأسيّة).

وقد مثّلنا لكلّ هذه الأقسام، في الحلقة الماضية.

وينبني من هذه الحقائق جميعاً: أنّ منهج البحث العلميِّ في الحقيقة منهجٌ واحد، يبدأ من سياق (حقل البحث المعيّن)، سواءٌ كان هو علم الفقه، أو الفيزياء، أو البلاغة، ... إلخ، باستعمال طريقة الاستقراء وآليّاتها المتعدّدة: (جمع البيانات، الملاحظة، والتجربة، والقياس، ودراسة الحالة، ,...إلخ)، ثمّ عندما ترتقي عمليّة الاستقراء إلى أعلى مراتبها المقدّرة لها، ينبثق عنها (الفرضُ العلميُّ)، الّذي تبدأ معه دورةٌ جديدة للبحث العلميّ، تقوم على أساس طريقة الاستنتاج، فالفرضُ العلميّ هو المولود الذي تمخّض عن (طريقة الاستقراء)، لينموَ ويصير عمود طريقة الاستنتاج، ثمّ من فضاء الاستنتاج، ومن أجل اختبار صحة النَّتائج التي تم استنباطها، نعود مجدّداً إلى (حقل البحث)، وهكذا دواليك، إلى أن تولد النظريَّةُ، ثم إلى أن تولد الحقيقة العلميّة، إذن، فإنّ طريقتي الاستدلال الاستقرائي والاستنتاجيّ، هما اللتان ترسُمان الإطار العام، لمنهج البحث، في أيّ حقلٍ من حقول المعرفة العلميّة، من خلال علاقتهما وارتباطهما الّذي لا ينفكّ بحقل البحث العلميّ.

وكلُّ مناهج البحث التي نعرفها، من وصفيٍّ إلى تاريخيّ إلى تجريبيٍّ، إلى ...، كلّها تقع ضمن هذا الحِراك المنهجيّ، الذي يعكس علاقةً وثيقةً بين الذَّات العارفة (الإنسان أو الباحث العلمي)، وموضوع المعرفة (حقل البحث المعيّن), فالاستقراء والاستنتاج، هما في الحقيقة آليّتان عقليّتانِ يوظفهما الإنسان، لإنتاج المعرفة العلميّة واستنباطها، من أيّ حقلٍ من الحقول.

إذن، فإنّ منهج البحث العلميّ، ليس منهجاً اصطناعيّاً اختراعيّاً، بل هو منهجٌ إنسانيّ فطريّ.

ختاماً، لا ريبَ أنّ هذه المقالة، أثارت مزيداً من التَّساؤلات، بدلاً من أن تُجيب عن السؤال المطروح، فلإزالة ما تبقّى من آثار الغموض، أُحيلُ إلى مقالةٍ ستُنشر بإذن الله لاحقاً ضمن نافذة "مناهج البحث"، من هذا الموقع، موقع "الملتقى الفقهيِّ"، تحت عنوان: "حقيقة منهج البحث العلميّ".

والله الموفق لكلّ خير.

المراجع

1- استخدام صيغة الجمع، هو الأسلوب المفضل، لدى العلماء والفقهاء المسلمين، وليس صيغة المفرد، كما يُظنُّ، وكذلك ليس هو صيغة الغائب الغريبة، حيث يُغيّب الباحث نفسه، فيقول مثلاً: (ويرى الباحث)، نعم، ليس محبّذاً أن يقول: "رأيتُ"، إلا عندما تقتضي الضرورة العلميّة، لكن المحبّذ والذي جرى عليه معظم الفقهاء، هو استخدام صيغة الجمع: "رأينا"، أي رأينا أنا الباحث وأنتم القراء مثلاً، وفي ذلك توكيدٌ على الرابطة الوثيقة التي تنعقد بين الطرفين، أو يكون المقصود من قول الباحث: "رأينا" أنّ هذا الذي رآه، هو تعبير عن الاتجاه الفقهيّ أو المذهب الذي ينتمي إليه، ويشاركه بالانتماء إليه آخرون. 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
دورة في "فقه الطهارة" لطالبات الجامعة الإسلامية في غزة
تحت عنوان "في فقه الطهارة" افتتحت رابطة علماء فلسطين بالتعاون مع نادي كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة دورتها العلمية بمشاركة أكثر من 60 طالبة، وقدمتها المحاضرة دارين محيسن.
أمر ملكي: إنشاء مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف
ونظراً لعظم مكانة السنة النبوية لدى المسلمين ، كونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، واستمراراً لما نهجت عليه هذه الدولة من خدمتها للشريعة الإسلامية ومصادرها ، ولأهمية وجود جهة تعنى بخدمة الحديث النبوي الشريف ، وعلومه جمعاً وتصنيفاً وتحقيقاً ودراسة.
ألمان يعارضون اعتماد عطلات رسمية لأعياد إسلامية في ألمانيا
أظهر استطلاع للرأي، أمس الثلاثاء، معارضة أغلبية المواطنين الألمان لمقترح وزير الداخلية، توماس دي مزيير، الذي يدعو لاعتماد عطلات للأعياد الإسلامية.
الوصايا الذّهبيّة إلى طلاب العلوم الشَّرعيَّة (3)
أمَّا بعدُ، فهذه الحلقة الثالثة، من حلقات هذه الوصايا الذّهبية، التي نستخرجها من الرّسالة الموسومة باسم "التَّذْكِرةُ والاعْتِبَارُ والانْتِصَارُ للأبْرَارِ"، لكاتبها العلاّمة أَحمد بن إِبراهيم الواسطيّ، التي كتبها إلى رفاقه وأصحابه من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهم يواجهون البلاء، بسبب ما قاموا به من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فلذا كان ممّا افتتح به رسالته دعاؤه: (جَعَلَنا الله وإِيَّاكم ممن ثبت على قَرْع نوائب الحق جأشُه، واحتسب لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه)[1].
العقل والعَاقِلَة والعِقال
فالعقلُ والعَاقِلَة والعِقال، ثلاث مفهوماتٍ شرعيَّة، تدلّ بمجموعها على نظامٍ شرعيٍّ تكافليٍّ، بموجبه تبرزُ جماعةٌ تُسمّى بالعاقلة، لتقوم بعقل القتيل، وذلك بأداء العِقال أو الدّية الواجبة على قتله، وذلك في حال القتل غير العمد.
الأثر الفقهيُّ لمفهوم الكلام في اللُّغة
فإنَّ ممّا نوَّه به وأصّلَ له الإمامان الجليلان الشّافعيُّ ثم الشّاطبيُّ، حقيقةَ أنّ هذه الشريعة المباركة عربيّةٌ، فمِن جهة لسان العربِ ينبغي أن تُفهم.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م