السّببُ الجوهريّ لغموضِ مفهوم منهج البحث العلمي
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1438/03/07 الموافق 2016/12/06 - 09:23 ص


امتداداً لما ابتدرناه من حديثٍ، لدى جواب أحد السّائلين، عن حقيقة المنهج العلميِّ، نقول:

ثمّة غموضٌ كثيف يُغطّي مفهومَ "منهج البحث العلميّ"، ويحولُ دون إدراك ملامحه الحقيقيّة، وهذا الغموضُ يبدو مضاعفاً في وعي الباحث المسلم، بسبب أنّ منهج البحث بمفهومه المعاصر، قد وُلد في أوربّا، وتشرّبَ بحضارتِها ورؤيتِها العلمانيّة المادّيَّة للحياة.

وممَّا يؤسف له، أنّ الرؤية العلمانيّة، قد تسرَّبت عبر راية البحث العلميّ ومنهجه أو مناهجه، لتُغشِّي على وعي كثيرٍ من الباحثين في هذا المجال، فتراهم -رغم كونهم مسلمين- لا يُبالون بتقرير بعض المباحثِ المطبوعة بطابع العلمانيّة، يحسبون أنّها من الحقائق العلميّة، أو لأنّها قد باتت من الثّوابت العصريّة.

وللتّدليل على ذلك، سأذكر نموذجاً لتناوُل أحد المقرّرات الجامعيّة، في مادّة مناهج البحث، لأحد المباحثِ المهمّة في هذه المادّة، والّذي يُراد من ورائه تكريسُ الرؤيةِ العلمانيّة في مقرّر هذه المادة، وتسريبُّها إلى وعي الطُّلاب المسلمين والطّالبات.

والمبحث الذي أعنيه، هو الذي يتمُّ فيه رصدُ ضروب المعرفة البشريّة، وتصنيفُها إلى:

-معرفةٍ حسّيّة، تقوم على الإدراك المباشر للحواسِّ في غيبة العقل أو ذهوله.

-ومعرفة نقليّة، تقوم لا على الإدراك المباشر، بل على الثِّقة في إدراك جهةٍ أخرى، والتّلقّي عنها، على سبيل التّسليم.

-ومعرفةٍ فلسفيّةٍ تأمُّليّة، تقوم على النظر العقليّ المجرَّد عن الإحساس والإدراك الحسّي.

فهذه كلّها معارفُ أو مناهج معرفيّة، جزئيّةٌ، ويُقالُ للطّالبِ: إنّ مسيرة حياةِ الإنسان، قد تطوّرت عبر هذه المراحل، ولم تكتملْ إلا في عصرنا الرّاهن، مع النَّوع الرابع من أنواع المعرفة، ألا وهو:

-المعرفة العلميّة التجريبيّة، التي يتآزر فيها العقلُ والإحساسُ والإدراك الحسّيّ، من أجل فهم الظواهر الواقعيّة.

إذن، نلحظ هاهنا فصلاً تامّاً، بين معرفةٍ يُقال إنّها المعرفة الإنسانيّة العليا، وهي المعرفة العلميَّة التجريبيَّة، وبين معارفَ أخرى توصم بالتّخلُّف والتّأخُّر، لأنها في زعمهم لا تستند إلى الدليل العقليّ الحسّيّ التجريبي.

إنّها نظريَّةُ التّطوُّر ذاتُها، يُعاد إنتاجُها وتسريبُها عبر مادة "مناهج البحث"، وهي النّظريّة التي تفصل بين تاريخ البشريّة كلّها، وتصِمه بوصم البدائيّة والتّخلُّف، وتاريخ أوربا الحديث، وتَسِمه بميسم العلم والتّقدّم.

نحن نعتقد أنّ البشريّة لم تبلغ مرحلة الرُّشد، إلا عندما أرسل الله عزّ وجلّ إليها رسولاً وكتاباً يخاطبُ عقلها وفكرها وشعورها، وهم يقولون: لا، بل إنّ البشريّةَ، لم ترتقِ إلى أفق الرُّقيّ، إلا مع بزوغ شمس الحضارة الأوربيّة، ويعتمدون في ذلك على أوهام:

أوّلُ هذه الأوهام: زعمُهم أنّ الإدراك الحسّيّ، إدراكٌ ناقص، وأنه بالضَّرورة يكونُ في غيبةِ العقل، والواقعُ يقول: إنّ الإدراك الحسّيّ، والدّليل المستند إليه، هو أكثر الأدلّة يقينيَّة وموثوقيّة، وأنّ هذا الإدراك الحسّيّ يكون بالضرورة مرتبطاً بالعقل.

وثاني هذه الأوهام: اعتقادُهم بجواز تجرُّدِ العقل وانفكاكه عن الحواسِّ، وبالتَّالي عن الإحساس بما حولَه، بل العقلُ لا يُمارسُ نشاطه العفويّ، إلا من خلال ما تغذّيه بهِ الحواسُّ.

وثالثُ هذه الأوهام: حديثُهم عن عقلٍ إنسانيٍّ محايد بريء من الانتماء إلى العقيدة، ويُمارس نشاطه بحسب ما تقتضيه موضوعيّة العلم والمعرفة فقط، والواقع يقول: إنّ العقل بطبيعته لا يمارس وظيفته في الفهم والتّفكُّر، إلا من خلال رؤيةٍ فكريّةٍ عقائديّة، توجّه نشاطه، وبالتالي فليس هناك عقلٌ واحدٌ محايد مطلق، بل ليس هناك إلا عقلٌ مقيّدٌ بانتمائه إلى دينٍ وحضارةٍ معيّنة، فهناك العقل المسلم، وهناك العقلُ العلمانيُّ الرأسماليُّ المادّيّ. إنّهم يُنكرون ويجحدون حقيقة انتمائهم إلى هذه الحضارة الغربيّة المادّيّة الملحدة، ويرفعون راية القيم الإنسانيّة المشتركة، وهم في الحقيقة كفارٌ أو منافقون أو مشركون.

بل إنّ الإنسانَ في الحقيقةِ كائنٌ متديِّن، فإما أن يَدين بدين الحقِّ، وإما أن يدين بدين الباطل. وبناءً على ذلك فإنّ أولى الحقائق التي ينبغي أن يتلقّاها الباحث المسلم، وتتقرّر في روعه، هي حقيقةُ الإيمان بالله عزّ وجلّ، التي ينبغي أن تكون مؤطّرةً لنشاطه البحثيِّ.

وينتج عن هذه الحقيقة: أن يوقنَ بأنّ المعرفة الإنسانيّة، لها مصدران:

الأول، هو الظَّواهر الكونيّة والطبيعيّة، وهنا نتّفق مع الرؤية العلمانيّة مؤقّتاً.

والثاني، هو كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهنا مفرق الطّريق.  

إنّ كتب مناهج البحث، التي يتلقّاها شبابُ المسلمين، تقول لهم بصراحةٍ أو ضمناً: إنّ كلام الله ورسوله، هو معرفةٌ نقليّة، تقوم على التّسليم واليقين، بدونما إعمالٍ للعقل النّاقد، بينما منهج العلم التجريبيّ، هو الذي يتآزر فيه الإدراك الحسِّيُّ والعقليّ، من أجل فهم الواقع. وكذبوا إنّ المؤمن المدرك لحقيقة دينه، هو صاحب العقل الرّاجح، المدرك لحقيقة الواقع، وهو الّذي اتّبع مقتضى العقل، فاهتدى لحقيقة وجوده، وأذعن لربّه وخالقه ومولاه.

إنّ منهج البحث العلميّ، معناه: أن تبسط سلطانَ وعيك على مسار بحثك، وتتجنّبَ العجلةَ والحُكم الجُزافيّ، واتّباع الهوى، متّبعاً خطةً منطقيَّة، تقودك إلى حل المشكلة التي يقوم عليها البحث.

فمنهج البحث هو في الحقيقة شيءٌ واحد، بيد أنّ له مظاهر تتعدّد بتعدّد حقول المعرفة العلمية، وبناءً عليه، تتعدد المناهج، من وصفية إلى تاريخية، إلى تجريبية، إلى مقارنةٍ، ... إلخ.

وهاهنا موجّهاتٌ عامّة، يعينك إدراكها على اختيار منهج البحث المناسب:

أولاً: للمعرفة العلميّة حقلان، لا ثالث لهما إلا الجامع بينهما:

*أولاً: ينبغي عليك أن تعلم بأنّ للمعرفة العلميَّة حقلين أساسيِّين:

الحقل الأول: حقل يهتمّ بدراسة الظواهر الواقعيَّة، الطبيعية أو الاجتماعية.

والحقل الثاني: حقل يهتم بدراسة النُّصوص (اللغوية، الشرعية، القانونية، ...إلخ).

والبحوث الشرعية، تقع ضمن الحقل الثاني.

ثانياً: للمنهج العلميّ استدلالان لا ثالث لهما إلا الجامعُ بينهما:

*ثانياً: ينبغي عليك أن تعلم، بأنّ منهج البحث العلميّ، سواءٌ في حقل الظواهر الكونيّة، أو في حقل الظواهر اللغوية، دائماً يتّبع طريقتين في الاستدلال، والوصول إلى الحقائق:

-الطريقة الأولي، هي طريقة الاستدلال الاستقرائي: وتنطلق من الخاص إلى  العام، حيث يقوم الباحث باستقراء وجمع كلّ الظواهر الجزئية المتعلّقة ببحثه، ثم تصنيفها تصنيفاً منطقيّاً.

مثال لذلك في حقل الظواهر الكونية: باحثٌ يريد أن يقوم بدراسةٍ عن أنواع الحيوانات البرِّيَّة، في المملكة العربية السعودية، فيلزمُه أن يقوم باستقراءٍ واسع، يتتبّع فيه هذه الحيواناتِ في مختلف مظانِّها، ويرصدُها ويصنّفها.

مثال لحقل الظواهر اللغوية المتعلّقة بالنصوص: باحث يريد أن يقوم ببحثٍ يحدّد فيه حقيقة مفهوم التَّقوى، فيلزمه أن يقوم باستقراء كلِّ النصوص الشرعية، من الكتاب والسنة، التي ورد فيها مفهوم التقوى، ثم يقوم بتصنيفها في أصنافٍ عديدة.

-الطريقة الثانية، هي طريقة الدليل الاستنتاجي، وهي تقوم على قاعدة الطريقة الأولى، فبعد أن يتمّ استقراءُ وجمعُ الظواهر المتعلقة بحقلٍ معيّن، وتصنيفُها طبقاً لمعيارٍ معيّن، أو معايير عديدة، بعد ذلك سيجد الباحث أنه قد بدأت تنقدحُ في ذهنه بعض الأفكار والحلول المتعلقة بمشكلة بحثه، فهذه هي مرحلةُ الاستنتاج، وهي ثمرة طبيعية للنظر المتمعّن الفاحص في الظواهر.

ثالثاً: والمنهج الاستقرائيُّ نوعان: عرضي أفقي وطولي رأسي:

فالمنهج الاستقرائيُّ العَرضي، أي الذي يدرس ظواهره بالعَرض، أي أفقياً، فينظر إليها وهي في إطارٍ معيّنٍ ثابتٍ، ومثالٌ له: دراسة مفهوم التقوى في النصوص الشرعية.

أما المنهج الاستقرائيُّ، الرأسيّ أو الطوليّ، فإنّه يدرس ظواهره عبر الزمن، راصداً أحوالها المتغيّرة عبر مراحل تاريخية معيّنة، ومثال له: باحث يُريد أن يدرس "تطوّر مفهوم الفقه في الدّين"، فإنّه يلزمه أن يتتبّعه عبر الزمن، مستقرئاً استعمالات العلماء والفقهاء له.

والمنهج الاستقرائي العرضيّ، هو ما يُسمى بالمنهج الوصفيّ.

والمنهج الاستقرائي الطوليّ، هو ما يُسمى بالمنهج التاريخي أو الاستردادي.

رابعاً: والمعرفة العلميّة في حقلٍ معيّن تمرُّ بثلاثة مراحل:

للحديث بقية... 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
الخلاف الفقهيّ حول وقوع الطلاق البدعيِّ (1)
فقد سبق القول في مُباحثةٍ سابقة: أنّ مفهوم الطلاق البدعيّ المحرّم، يتحدّد بما يلي:
من فتاوى الشّيخ ابن عثيمين حول مسائل الرّضاعة
فإنّ مسائل الرضاعة تثير كثيراً من الإشكالات، وذلك بسبب الجهل بالحكم الشرعيّ المتعلّق بالمسألة، وعدم المبالاة بحساسيّة الرّضاعة، وما قد ترتّبه من الأحكام التي قد تكون ثقيلة الوقع على كيان الأسرة، بيد أنّها تمثّل الحقّ الذي ينبغي أن تفيء إليه، مهما كانت الأحوال، لما يترتّب عليه من تحقيق نفعٍ، أو دفع ضررٍ لا يعلمه إلا الله تعالى.
حول مَسألة اشتراط الكفاءة لصحة الزَّواج
فإنّ اشتراط الكفاءة لصحّة الزواج، من المسائل التي ظلّت تثير كثيراً من سوء الفهم والالتباس، إذ يظنُّ كثيرٌ ممّن اطّلع عليها من عوامّ الناس أو غيرهم، أنّ في اعتبار الكفاءة إثارةً لبعض معاني التّمييز العرقيّ، وهو جهلٌ كبير بحقيقة هذه المسألة.
12345678910
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م