هل العِلمُ خيرٌ من العِبادة؟ (1/2)
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/02/29 الموافق 2016/11/29 - 04:00 م

قد شاع في كتب آداب طلبِ العلم وغيرها، القولُ بأنّ العلمَ خيرٌ من العبادةِ، وهي مسألةٌ مُشكِلة، تحتاج إلى تحريرٍ وبيانٍ.

وقد سُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، نحواً من هذا السؤال، فأوضح أنَّ السّؤال في حدّ ذاتِه خاطئٌ ومتناقض، لأنّ العلم وطلب العلم، هو من أفضل العبادات[1]، وكما روى ابن عبد البر بسنده، عَنِ ابْنِ جُحَادَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، «الدِّرَاسَةُ صَلَاةٌ»[2]، فالعبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسْمٌ جَامع لكلِّ مَا يُحِبُّهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة"[3].

إذن، فالسًّؤال في وضعه الصَّحيح، هو: هل القيامُ بضربٍ من ضروب عبوديّة العلم، أفضلُ من القيام بضربٍ من ضروب العبادة؟ وعندئذٍ فيُقال: إنّ كلَّ ضروب عبوديّة العلم، لا تسمو ولا تفضُل على عبوديّة الصَّلاة، ووقوفِ العبد بين يدي ربّه الجليل.

وذلك هو الحقُّ الذي لا ريبَ فيه، ولكن يُقال في مواجهة ذلك: أرأيتَ لو كان هذا العابد المصلّي ساهياً عن صلاته، لا يُقيمُها، ولا يستوفي ركوعها وسجودها، ولا يتفكر في قرآنها، ولا يعرف حقيقةَ أنّه يقفُ بين يدي الله عزّ وجلّ، ولا يُبالي بذلك، أتكون صلاته خيراً، أم يكون الخيرُ في أن يعكف على طلب العلم بأحكام الصَّلاة ومُقوّماتها وحقائقها وأسرارها؟ فهنا تميلُ الكِفَّة لصالح عبوديّة العلم.

إذن، فيلزمُنا ابتداءً: أن نقف لنحدّد كلاً من طبيعة عبوديَّة العلم، وطبيعة عبوديَّة العبادة، وعندئذٍ فسيكون الأمر متعلّقاً بتلكما القوّتين اللتين أنعم الله عزّ وجلّ بهما على الإنسان، ليُحقّق بهما العبوديّة لله تعالى، ألا وهما القوّة العِلميَّة (النّظريّة) والقوّة العَمليَّة (الإراديّة).

يقول ابن القيّم: "السَّائرُ إلى الله والدَّار الآخرة -بل كلُّ سائرٍ إلى مقصدٍ- لا يتمُّ سيرُه ولا يصل إلى مقصوده، إلا بقوَّتين: قوَّة علميَّة وقوَّة عمليَّة. فبالقوَّة العِلميَّة يُبصر منازلَ الطَّريق، ومواضعَ السُّلوك، فيقصدها سائرًا فيها، ويجتنبُ أسبابَ الهلاك، وآفاتِ الطريق وقواطعه، والطرقَ المنحرفة عنه. وبالقوَّة العمليَّة يسيرُ ... في الطريق، قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة، حتى يبلغ غايته ومقصده"[4].

إذن، القوَّة العلميَّة وظيفتها العلمُ، باتّباع الطَّريق المؤدِّي إليه، والقوة العمليّة وظيفتُها الإرادةُ والسّعي لتحقيق ما تمّ العلمُ به.

فهل يُقال: أيُّهما أفضل القوّة العلميّة، أم القوّة العمليّة؟

بل: هل بإمكان الإنسان أن يستغني عن إحدى القوّتين؟

نعم، العلمُ بطبيعته يكون مقدّماً، لكنّه لا يستغني عن العمل، ولكن المواجهةُ في مسألتنا، ليست بين العلم والعمل عموماً، بل بين العلم وضربٍ خاصٍّ من ضروب العمل، ألا وهو العملُ التّعبُّديّ، الّذي يتمثّل خاصّةً في الصَّلاة، والزَّكاة والصّدقة، والحجُّ، والعمرة، والصِّيام، والذّكر، وتلاوة القرآن. فلا ريبَ أنّ هذا العمل التّعبديّ، هو أفضلُ الأعمال، ولكن هل هو أفضلُ من العلم ومذاكرته ودرسه وتدريسه؟

هنا ينبغي أن نميّزَ بين العبادات المفروضة والنَّوافل، فأداء العباداتُ المفروضة لا ريبَ أفضلُ من طلب العلم.

إذن، فيُمكن أن يكون طلبُ العلمِ أفضلَ من القِيام بنوافل العبادات، من قيام الليل والصَّدقاتِ وغيرها، وهذا هو المعنى الذي كان يقصده أئمّةُ السّلف فيما ساقوه من الأقوال التي تُفضل العلم على العبادة.

وهذه هي المسألةُ الحقيقيّة في هذا المبحث، لأنّها مسألةٌ واقعيّة، ينبني عليها عملٌ، يتمثّل في اختيار طلب العلم في وقتٍ من الأوقات، على أداء نافلةٍ من نوافل العبادات، تناوَل هذه المسالة ابن عبد البر، في كتابه "جامع بيان العلم وفضله"، تحت عنوان "بَابُ تَفْضِيلِ الْعِلْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ"، ساق فيها كثيراً من المرويّات، ما كان منها مرفوعاً أو  مُرسلاً، متدثّراً في ذلك بقوله: "وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِجَمَاعَتِهِمْ يَتَسَاهَلُونَ فِي الْفَضَائِلِ، فَيَرْوُونَهَا عَنْ كُلٍّ، وَإِنَّمَا يَتَشَدَّدُونَ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ"[5].

فروى ابنُ عبد البر، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "قَلِيلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا إِذَا عَبَدَ اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا إِذَا عَجِبَ بِرَأْيِهِ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: عَالِمٌ وَجَاهِلٌ فَلَا تُمَارِ الْعَالِمَ وَلَا تُحَاوِرِ الْجَاهِلَ"[6]، فإدراكُ معنى هذا القولِ المأثور، في ضوء المعاني السّابقة، لا يُثير إشكالاً، بل إنّ هذا القولَ يتضمّنُ قيداً يمنع من فهمه الخاطئ، وهو عبارة: "وَكَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا إِذَا عَبَدَ اللَّهَ"، أي: إنّ عبادة اللهِ هي أساس العلم.

وروى عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، وَخَيْرُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ»[7]، وهذا يُقيّد بكون الفقه هو الّذي يُعرّفُ بمراتب الأعمال، حتى يميِّز بين النفل والفرض، فلا يقدِّم نافلة على فرضٍ، ولا يضيِّع أصلاً من أجل فرع.

كما روى ابن عبد البر بسنده، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أُمَّتِي"[8]، ومثله ما رواه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَضْلُ الْمُؤْمِنِ الْعَالِمِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً»[9]، وهذا واضح، فمفهوم "العالم" في نصوص الشرع، ليس يقتصر على من يحفظ متون العلوم، ولكن من يكون قدوةً في السّلوك وتحقيق العبوديَّة والعمل بعلمه، فلا ريب أنّه أفضلُ من العابد المنعزل في مصلاه أو صومعته. ويشرحه ما رواه بعده ابنُ عبد البر، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ وَعَلَّمَ النَّاسَ الْخَيْرَ، كَانَ فَضْلُهُ عَلَى الْمُجَاهِدِ الْعَابِدِ، كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ رَجُلًا، وَمَنْ بَلَغَهُ عَنِ اللَّهِ فَضْلٌ فَأَخَذَ بِذَلِكَ الْفَضْلِ الَّذِي بَلَغَهُ، أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا بَلَغَهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَدَّثَهُ كَاذِبًا»[10].

أمّا ما رواه ابن عبد البر، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ»[11]، فإنّه يقرّر قاعدةً عامّةً في هذه المسألة، يُنظر فيها إلى الفضل في كلٍّ منهما، أي إلى ما يزيدُ على نصاب العلمِ المفروض، وإلى ما يزيد عن نصاب العبادة المفروضة، فهنا يكون فضلُ العلم خيراً من فضل العبادة.

المراجع

[1] اللقاءات الشهرية (41 / 22).

[2] جامع بيان العلم وفضله (1/ 104).

[3] العبودية (ص: 44).

[4] طريق الهجرتين ص171 بتصرف.

[5] جامع بيان العلم وفضله (1/ 103).

[6] جامع بيان العلم وفضله (1/ 99).

[7] جامع بيان العلم وفضله (1/ 100).

[8] جامع بيان العلم وفضله (1/ 101).

[9] جامع بيان العلم وفضله (1/ 104).

[10] جامع بيان العلم وفضله (1/ 103).

[11] جامع بيان العلم وفضله (1/ 106).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
وصول 755186 حاجا إلى المدينة المنورة
بلغ إجمالي عدد الحجاج الذين وصلوا إلى المدينة المنورة لأداء فريضة الحج لهذا العام 1438هـ, 186ر755 حاجا وفق الإحصائية اليومية التي أعلنتها المؤسسة الأهلية للإدلاء بالمدينة المنورة .
1200 حاج من جزر القمر يؤدون الحج هذا العام
صرَّح "عبد الفتاح سيد محمد" مدير عام الوكالة الوطنية للحج والعمرة بجزر القمر؛ بأن 404 حُجَّاجٍ مِن الدفعة الأولى للحُجَّاج القمريِّين غادَرو البلادَ أول الأسبوع الجاري؛ متوجِّهين إلى الأراضي المقدَّسة لأداء مناسِك الحج لهذا العام.
الأزهر يرد على "السبسي": آيات المواريث بالقرآن لا تقبل الاجتهاد
أعرب الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر عن رفضه لمقترح الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، حول المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وجواز زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، الأمر الذي قوبل برفض شديد في الأوساط العربية والإسلامية.
معيارٌ لقياس حال المسلم وإيمانه
بلى، هذا معيارٌ رباعيٌّ مدرّجٌ، من شأنه أن يكشف عن حقيقة إيمان المسلم، ومدى قربه من ربّه سبحانه وتعالى، ومن هنا فإنّه مِقياسٌ من أخطر المقاييس.
مفهوم الحجِّ في اللُّغة العربيَّة
هذا استقراءٌ لمادّةِ "حَجَجَ" وتصريفاتِها في معجمي "لسان العرب" لابن منظور، و"تاج العروس"، وغيرهما من مراجع اللغة العربيّة، بحثاً عن الدلالات المتعلقة بالحجِّ، على نحو ما يلي:
فَبَرَّ قَسَمُ ابن مُرِّي!
هذا المجموع الفريد المُسمّى أيضاً، بـ "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية، يُعدُّ من أعظم الكتب التي أُلّفت في الإسلام، إن لم يكن أعظمَها على الإطلاق.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م