الحوالة وتطبيقاتها المعاصرة
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/02/27 الموافق 2016/11/27 - 09:04 ص

تعريف الحوالة:

1- لغة: بالفتح, مأخوذة من حال الشيء حولا وحؤولا؛ تحوّل. وتحول من مكانه انتقل عنه, وحوّلته تحويلا نقلته من موضع إلى موضع[1].

2 - اصطلاحا: نقل الدين من ذمة إلى ذمة.

فإذا أحلت شخصا بدينك فقد نقلته إلى ذمة غير ذمتك.

مثال ذلك أن يقول للدائن قائل: لك على فلان دين مقداره كذا فاقبل حوالته عليّ، فيقول الدائن: قبلت أو يبتدئ الدائن فيقول لصاحبه: لي على فلان كذا، فاقبل دينه عليك حوالة، فيجيب: قد فعلت[2]. 

فالحوالة لابد فيها من:

1- محيل: وهو المدين، وقد يكون دائنا أيضا باعتبار آخر، وهو طرف في العقد إذا باشره بنفسه أو أجازه.

2- محال: وهو الدائن، وهو طرف في العقد، إما بمباشرته، وإما بإجازته.

3 - محال عليه: وهو الذي التزم لأحد الآخرين بدينه على ثانيهما، وهو أيضا أبدا طرف في العقد، على نحو ما ذكر في المحال.

4 - محال به: وهو الدين نفسه، وهو محل عقد الحوالة.

الفرق بين الحوالة والكفالة والإبراء:

أ- الكفالة أو الضمان: هي ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق[3].

 والفرق بين الحوالة والكفالة:

أن الحوالة نقل للدين من ذمة إلى ذمة أخرى، أما الكفالة فهي ضم ذمة إلى ذمة في الالتزام بالحق.

فهما متباينان، لأن بالحوالة تبرأ ذمة المحيل، وفي الكفالة لا تبرأ ذمة المكفول.

ب - الإبراء: هو إسقاط الشخص حقا له في ذمة آخر أو قبله[4].

والفرق بين الحوالة والإبراء:

أن الحوالة نقل للحق من ذمة إلى ذمة، والإبراء إسقاط للحق.

مشروعية الحوالة: الحوالة بالدَّين مشروعة, ويدل لذلك ما يأتي:

1-السنة: من ذلك:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَطْل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع"[5].

وفي لفظ عند الطبراني: "ومن أحيل على مليء فليتبع"[6]. 

وعند أحمد وابن أبي شيبة: "ومن أحيل على مليء فليحتل"[7].  

والمليء: هو الغني المقتدر على السداد, أو هو الثقة الغني[8].  

2- الإجماع: انعقد الإجماع على مشروعية الحوالة[9].  

3 - القياس: الحوالة مشروعة قياسا على الكفالة، بجامع أن كلا من المحال عليه والكفيل قد التزم ما هو أهل لالتزامه وقادر على تسليمه، وكلاهما طريق لتيسير استيفاء الدين، فلا تمتنع هذه كما لم تمتنع تلك. والحاجة تدعو إلى الحوالة[10].

حقيقة عقد الحوالة:

ذهب الحنفية والحنابلة, وهو الأصح عند الشافعية، وجزم به ابن رشد الحفيد من المالكية؛ أن الحوالة مستثناة من بيع الدين بالدين؛ لأن كل واحد ملك بها ما لم يكن يملك، فكأن المحال قد باع ما له في ذمة المحيل بما لهذا في ذمة مدينه[11]. 

فالحوالة على هذا بيع دين بدين، والقياس امتناعه، ولكنه جوّز للحاجة؛ رخصة من الشارع وتيسيرا.

ولم يسلّم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن الحوالة واردة على خلاف القياس؛ لأنها ليست من قبيل بيع النسيئة بالنسيئة حتى يكون الأصل فيها المنع، بل هي من جنس إيفاء الحق[12]. 

وثمرة الخلاف: بين القول بأنها بيع أو استيفاء, أنه:

على القول بأنها بيع: يدخل فيها خيار المجلس, ويصح اشتراطُ الرهن والضمانِ فيها، ولا تصح الحوالة إلا إذا كان المحال عليه مدينًا للمحيل.

وعلى القول بأنها استيفاء: لا يدخلها شيء من ذلك[13]. 

الحكمة من مشروعية الحوالة:

كثيرا ما يكون المدين مماطلا، يؤذي دائنيه بتسويفه وكذوب وعوده، أو بضيق ذات يده، وربما كان له دين على آخر هو ألين عريكة وأحسن معاملة وأوفر رزقا، فيرغب دائنو الأول في التحول إلى هذا توفيرا للجهد والوقت، واتقاء لأخطار الخصومات، وتحصيلا لجزء من المال عاطل، يمكن أن تنمى به ثروة، أو تسد به خلة. فرخّص في الحوالة من أجل هذا وما شاكله؛ إذ لو لم تشرع لفاتت كل هذه الأغراض الصحيحة، ولحاقت بالدائنين أضرار جمة.

والعكس أيضا: فربما كان المحال عليه مماطلا، وكان المحال أقدر من المحيل على استخلاص الحق منه، ولولا الحوالة لطال عناء الدائن الضعيف، أو لضاع ماله. وليس في كل وقت يتاح الوكيل الصالح، وإن أتيح فقلما يكون بغير أجر[14]. 

وللحوالة أحكام كثيرة قد بينها الفقهاء تطلب من مظانّها, من بيان أقسامها وشروطها وأركانها وضوابطها, وما يجوز منها وما لا يجوز وغير ذلك, مما يطول ذِكْره, وليس المقام مقام تفصيله, إلا أنه يحسن بنا بعد أن تصورنا مفهوم الحوالة أن نذكر بعض التطبيقات المعاصرة لها.

جاء في المعيار الشرعي السابع الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية

أن من التطبيقات المعاصرة للحوالة:

1- السحب على الحساب الجاري:

يعتبر إصدار الشيك على الحساب الجاري حوالة إذا كان المستفيد دائنا بمبلغ الشيك للمصدر الساحب أو المحرر.

فيكون الساحب هو المحيل، والبنك المسحوب عليه هو المحال عليه، والمستفيد هو المحال.

وإذا لم يكن مُصدر الشيك مدينا للمستفيد، فليس ذلك بحوالة؛ إذ لا يتصور حوالة دين لا وجود له, ولكن يعتبر وكالة بالقبض وهي جائزة شرعا.

2- السحب على المكشوف:

إذا كان المستفيد دائنًا بمبلغ الشيك للمصدر, فتحرير الشيكات على حساب للمصدر دون أن يكون له رصيد يعتبر حوالة مطلقة إذا قبل المصرف.

أما إذا لم يقبل المصرف فليست حوالة، ويحق لحامل الشيك الرجوع على مصدره.

3- الشيكات السياحية:

إن حامل الشيكات السياحية الذي وفى بقيمتها للمؤسسة المصدرة يعتبر دائنا لتلك المؤسسة، فإذا ظهّرها حاملها لدائنه كان هذا التظهير حوالة للغير على هذه المؤسسة المصدرة المدينة، وهي حوالة مقيدة بما أداه حامل الشيكات السياحية من قيمتها للمؤسسة.

4- الكمبيالـــة:

تعتبر الكمبيالة من قبيل الحوالة إذا كان الشخص المستفيد الذي سحبت لأمره دائنا للساحب، ويكون الساحب هو المحيل الذي يصدر أمرا للمسحوب عليه بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين للمستفيد المحدد.

 

أما الجهة الملتزمة بدفع المبلغ المعين المسحوب عليه فهي المحال عليه، والمستفيد حامل الكمبيالة هو المحال.

 

فإن لم يكن المستفيد دائنا للساحب كان إصدار الكمبيالة توكيلا من الساحب للشخص في قبض واستيفاء مبلغ الكمبيالة.

 

5- تظهير الأوراق التجارية:

يعتبر تظهير الأوراق التجارية تظهيرا تمليكيا بنقل ملكية قيمتها من المظهِّر إلى المظهَّر إليه من قبيل الحوالة إذا كان المظَهَّر إليه دائنا للمُظّهِّر.

فإن لم يكن دائنا فالتظهير توكيل بالقبض.

ولا يعتبر من قبيل الحوالة التظهير التوكيلي الذي يطلب العميل بموجبه من المؤسسة تحصيل قيمة الورقة التجارية لحسابه، بل هي وكالة جائزة شرعا سواء أكانت بأجر أم بغير أجر.

ولا يجوز حسم خصم الأوراق التجارية بقيام حاملها بنقل ملكيتها وملكية الحق الثابت فيها عن طريق التظهير إلى المؤسسة أو غيرها قبل تاريخ الاستحقاق، مقابل حصول المظَهِّر على قيمتها مخصوما منها مبلغ معين؛ ويعتبر من صور الربا.

6- التحويلات المصرفية:

إن طلب العميل من المؤسسة المصرف الآمر تحويل مبلغ معين من حسابه الجاري لديها لتحوّله بنفس العملة إلى مستفيد معين هو حوالة إذا كان العميل مدينا للمستفيد.

والأجر الذي تأخذه المؤسسة في هذه الحالة هو مقابل إيصال المبلغ إلى المحال، وليس زيادة في الدين المحال.

فإن لم يكن بنفس العملة فقد اجتمع الصرف والحوالة وهو جائز.

المراجع

[1] المصباح المنير 1/157 , مادة: "حول" .

[2] ينظر: تبيين الحقائق 4/171, ومغني المحتاج 3/189, ومواهب الجليل 5/90, والمبدع شرح المقنع 4/251.

[3] المغني 4 /399.

 [4]الموسوعة الفقهية 1/142.

 [5]أخرجه البخاري في كتاب الحوالات, حديث رقم 2287, ومسلم في كتاب المساقاة, حديث رقم 1564.

 [6]أخرجه الطبراني في الأوسط 8/262 .

 [7]أخرجه أحمد في المسند 16/48, وابن أبي شيبة في مصنفه 4/489, وإسناده صحيح.

 [8]لسان العرب 1/159, والمصباح المنير 2/580.

 [9]ينظر: المغني 4/390.

 [10]ينظر: البناية شرح الهداية 8/486، وحاشية ابن عابدين 5/340, ومطالب أولي النهى 4 / 174.

 [11]المغني 4/390, والأشباه والنظائر بحاشية الحموي 2/ 213, والمهذب للشيرازي 2/143, وبداية المجتهد 4/84.

 [12]مجموع الفتاوى 20/512, وإعلام الموقعين 3/182.

 [13]ينظر: الحاوي 6/ 420.

 [14]ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 18/172.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"الثبيتي": للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه
تحدّث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي؛ عن قرب انتهاء شهر رمضان والسعادة لمَن صام رمضان، وأن نعمة التوفيق لصيامه وقيامه من أجلّ النعم لا تستقصى خيراته ولا تحصى نفحاته، قال الله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر شوال مساء السبت
دعت المحكمة العليا إلى تحري رؤية هلال شهر شوال لهذا العام 1438هـ، مساء يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رمضان الجاري. جاء ذلك في إعلان للمحكمة فيما يلي نصه:
معرض للإطعام الخيري بساحات المسجد الحرام
أقامت إدارة الساحات بالتعاون مع لجنة السقاية و الرفادة بإمارة منطقة مكة المكرمة معرضاً للإطعام الخيري المقدم في ساحات المسجد الحرام بحضور رئيس اللجنة التنفيذية للجنة السقاية و الرفادة بمنطقة مكة المكرمة ومنسوبي إدارات الساحات.
تسحروا فإن في السحور بركة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَرُّوا؛ فإنَّ في السَّحُور بَرَكَة"
حال السلف مع القرآن في رمضان
قال ابن القيم رحمه الله "لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر.., لَو عَلِمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلّ ما سِواها" ا.هـ.
من فضائل الصيام
الصوم من أفضَلِ العباداتِ وأجلِّ الطاعاتِ جاءَتْ بفضلِهِ الآثار، ونُقِلَتْ فيه بينَ الناسِ الأَخبار.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م