أحكام المسبوق في غير الفرائض (1-2)
|
د. فهد بن عبدالرحمن المشعل
أضيف فى 1431/03/08 الموافق 2010/02/22 - 12:00 ص

أحكام المسبوق في غير الفرائض[1]

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فقد قال نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَامْشُوا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"[2]

وفي هذا الحديث نهي للمسبوق عن العجلة، وأمر له بالدخول مع الإِمام فيما أدرك، فإن فاته شيء قضاه.

والحري بالمسلم أن يحرص على التبكير إلى الجماعات لما ورد في فضل ذلك من الأحاديث الكثيرة.[3]

ولكن التقصير قرين البشر فكان، لا بد أن يتأخر بعض الناس عن إدراك أول الصلاة مع الإِمام، فيسمون في هذه الحالة: (مسبوقين)، (جمع مسبوق)، وهذا المسبوق له أحكام كثيرة وجديرة بالاهتمام، وقد كتب الفقهاء فيها سواء في الفرائض أو في غيرها مما تشرع له الجماعة، لكنني لم أجد من أفرد "أحكام المسبوق في غير الفرائض" بكتابات مستقلة، ومن هنا اخترت الكتابة في هذا الموضوع مستعينًا بالله تعالى ومتوكلا عليه.

أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

هذا الموضوع من أهم الموضوعات الفقهية نظرًا للأسباب الآتية:

1 - كثرة المتأخرين عن أول الجماعة في كل من صلاة العيدين، والكسوف، والاستسقاء، والجنائز... وهذا يستدعي إظهار الأحكام الشرعية وبيانها للجميع، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.

2 - أن هذا الموضوع يلامس واقع الناس، ودليل ذلك كثرة الأسئلة والاستفتاءات التي نسمعها ونقرؤها حول هذا الموضوع.. فهذا سائل يقول: فاتتني بعض تكبيرات العيد مع الإمام؟ وآخر يقول: فاتتني ركعة كاملة أو ركعتان فماذا أصنع؟ وثالث يقول: بم تدرك الركعة في صلاة الكسوف أبالركوع الأول أم الثاني؟ ورابع يقول: لم أدرك من تكبيرات الجنازة إلا واحدة أو اثنين فماذا أفعل؟ وفي هذا البحث إجابة عن كل هذه الأسئلة وما شابهها.

3 - أن هذا الموضوع ـ مع ما له من أهمية ـ لم يفرد ببحث مستقل فيما اطلعت عليه.

مخطط البحث :

قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وخمسة مباحث.

أما التمهيد ففيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المسبوق.

المطلب الثاني: حقيقة ما يدركه المسبوق مع الإمام.

أما المباحث فهي:

المبحث الأول: أحكام المسبوق في صلاة العيد.

المبحث الثاني: أحكام المسبوق في صلاة الاستسقاء.

المبحث الثالث: أحكام المسبوق في صلاة الكسوف.

المبحث الرابع : أحكام المسبوق في صلاة التراويح.

المبحث الخامس: أحكام المسبوق في صلاة الجنازة.

منهج البحث:

وقد سلكت في إخراج هذا البحث منهجًا وسطًا بين التطويل والإيجاز، وقد حرصت فيه على استقصاء مذاهب أهل العلم وأدلتهم مستقاة من مراجعهم الأصلية، وأُقدِّم أقوال المذاهب الأربعة، وأعزو الآيات الكريمات، وأُخرِّج الأحاديث الشريفة، وأذكر وجه الاستدلال من كل دليل، وما نوقش به وما يجاب، ما وجدت ذلك، ثم أذكر الراجح من أقوالهم بحسب ما يظهر لي.

ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم النتائج.

وفي الختام أسأل اللَّه تعالى أن يوزعنا أن نشكر نعمته علينا وأن نعمل صالحًا يرضاه، ويصلح نياتنا وذرياتنا إنه سميع قدير.

وإن تجد عيبًا فسد الخللا ... جل من لا نقص فيه وعلا

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين.

التمهيد:

وفيه مطلبان:  

المطلب الأول: تعريف المسبوق:

المسبوق لغة: اسم مفعول من السبق وهو: التقدم، قال اللَّه تعالى : {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا}[4].

ويقال: سَبَقَ يَسْبِق سبقًا وسابِق وسبُوق، ومُسَبَّق، وتسابق واستبقا [5]

وقد يكون للسابق لاحق كالسابق من الخيل[6]

وعليه فالمسبوق هو من تقدمه غيره مطلقًا.

واصطلاحا: المسبوق هو من لم يدرك أول الصلاة مع الإِمام[7]

بمعنى أن المسبوق هو من فاته بعضُ الصلاة مع الإِمام لكنه أدرك التكبير قبل سلام الإِمام ودخل مع الجماعة، وسواء فاتته ركعة أو أقل أو أكثر فهو مسبوق. أما من فاتته جميع الصلاة بسلام الإِمام فهذا يصير منفردًا.

وهذا ما دلت عليه عبارات الفقهاء رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى.

المطلب الثاني : حقيقة ما يدركه المسبوق مع الإِمام:

هذه المسألة أصل مسائل المسبوق[8]  وقد انبنى على الخلاف فيها الخلاف في مسائل كثيرة من هذا البحث، ولذا ناسب التمهيد بذكرها قبل الدخول في صلب الموضوع فأقول وبالله التوفيق:

اختلف العلماء رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى في حقيقة ما يدركه المسبوق مع إمامه، هل هو أول صلاته وما يقضيه آخرها أو العكس؟ وحاصل الخلاف قولان:

القول الأول: أن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه أولها. وهذا مذهب الحنفية[9] والمشهور عند الحنابلة[10] وقول عند المالكية[11]

ويروى ذلك عن ابن عمر، ومجاهد، وابن سيرين، والشعبي وأبي قلابة[12]

القول الثاني: أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها.

وهذا هو المشهور عند المالكية (إلا أن أكثرهم يستثنون القراءة، فإنهم يأمرون المسبوق بقضاء ما فاته منها)[13] وهو مذهب الشافعية[14] وهو رواية عند الحنابلة[15]

وبه قال سعيد، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وإسحاق، وعطاء، ومكحول، والزهري، وابن المنذر[16]

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:

1 - قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إَذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِيِنَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا"[17]

وجه الاستدلال:

أن القضاء هو فعل ما فات من العبادة، والمقضي هو الفائت، فلما استعمل لفظ القضاء في المأتي بعد سلام الإِمام دل ذلك على أنه أول صلاته، فيكون ما أدركه آخر صلاته[18]

قال الزركشي: "والحجة فيه من ثلاثة أوجه:

أحدها: قوله (ما أدركتم) والذي أدركه مع الإِمام آخر صلاته فوجب أن يصليه معه.

الثاني: قوله (وما فاتكم) والذي فات أو سبق الصلاة نعلم أنه الذي يفعله بعد مفارقته.

الثالث: قوله (فاقضوا) والقضاء إنما يكون لما فات وقته وانقضى كله"[19]

ونوقش هذا:

بأن لفظ القضاء يطلق على فعل ما فات وعلى أداء الفعل الحاضر أو إتمامه كما قال اللَّه تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ}[20] وقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}[21]

ويقال: قضى فلان حق فلان.

وعليه فيحمل معنى القضاء في الحديث على معنى الإتمام ليتفق في المعنى مع رواية الإتمام[22]

لاسيما وأن رواية الإتمام أصح وأكثر فقد اتفق على إخراجها الشيخان، بخلاف رواية القضاء فإنما أخرجها بعض أصحاب السنن، قال البيهقي: " رواة الإتمام أكثر وأحفظ "[23]

وقال أبو داود: "لفظة (فاقضوا) إنما رواها ابن عيينة عن الزهري وحده"[24]

وقال الحافظ: " والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ (فأتموا) وأقلها بلفظ (فاقضوا)" ، ثم قال: "وإنما يظهر أثر ذلك إذا جعلنا بين القضاء والتمام مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى.

وهنا كذلك فإن القضاء وإن كان يطلق على الفائتة لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا}[25]

ويرد لمعان أخر.

ويحمل هنا على معنى الأداء والفراغ فلا يغاير قوله (فأتموا)، وعليه فلا حجة لمن تمكسك برواية (فاقضوا) على أن ما أدركه الإِمام هو آخر صلاته"ا.هـ[26]

وخلاصة المناقشة أمران: أحدهما: تضعيف لفظة (فاقضوا) ، والثاني: حملها على معني وأتموا[27]

2 - قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلا يَسْعَ إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ"[28]

وجه الاستدلال به كالذي قبله من أن المقضي هو الفائت[29]

ويرد عليه ما ورد على الدليل السابق من المناقشات.

3 - ولأنه لو أدرك أول صلاة الإِمام لكانت أول صلاته، فإن أدرك آخرها وجب أن يكون آخر صلاته[30]

ويناقش هذا بأمرين :

الأمر الأول: أن هذا اجتهاد في مقابل النص وهو قوله (فأتموا) والإتمام يستدعي تقدم أول الشيء[31]

الأمر الثاني: أنه لا تلازم بين المقدمتين المذكورتين، مثال ذلك: أنه لا يلزم من وقف مع الإِمام يوم عرفة من آخر الوقت أن يكون ذلك آخر وقوفه هو، بل ذلك أول وقوفه وآخر وقوف الإِمام[32]

أدلة القول الثاني:

استدل القائلون بأن ما يدركه المسبوق أول صلاته بالآتي:

- حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"[33]

وجه الاستدلال:

أن الإتمام إنما يكون لما فعل أوله فيتم آخره[34]

قال البغوي: " فيه دليل على أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته لأن الإتمام يقع على باقي شيء تقدم أوله"[35]

وقالوا: وهذه الرواية أصح وأكثر من رواية (فاقضوا)[36]

ونوقش:

بان الإتمام يستدعي النقصان أولا كان أو آخرًا، فيكون معنى قوله (فأتموا) أي: أتموا قضاءً، جمعًا بين الروايتين[37]

وأجيب:

بأن في هذا تكلفًا ظاهرًا، ولا يسنده دليل[38]

قال ابن عبد الهادي: "والتحقيق أنه ليس بين اللفظتين فرق فإن القضاء هو الإتمام"[39]

2 - أن أهل العلم اتفقوا على أن من فاتته ركعة من الصلاة فإنه يؤمر عند قضائها بالجلوس والتشهد والتسليم ولو كانت تلك الركعة هي أول صلاته لما فعل ذلك؛ لأن الأولى لا جلوس فيها ولا تشهد ولا تسليم[40]

ونوقش هذا:

بأنه إنما يتشهد عند القضاء لأجل التسليم فقط، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد[41]

وأجيب:

بأن هذا ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور[42]

3 - ولأنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى فأفاد ذلك أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته[43]

قال ابن المنذر: "وغير جائز أن يجمعوا على أن التكبيرة الأولى التي يفتتح بها المصلي صلاته في أول ركعة، ثم يقلبوا ما أجمعوا عليه أنها أوْلى فتجعل آخرة، لأن الآخرة غير الأولى"[44]

واستدل المالكية على استثناء القراءة بما يأتي:

أـ ما أثر عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن"[45]

ووجه الاستدلال ظاهر.

ب - القاعدة الأصولية وهي الجميع بين الدليلين ما أمكن.

فقالوا هنا: يمكن حمل رواية (فأتموا) على الأفعال، ورواية (فاقضوا) على الأقوال[46]

وقالوا: إن المراد بالأقوال عندنا القراءة خاصة. وما عداها ملحق بالأفعال[47]

ويناقش هذا بأمرين:

الأمر الأول: أنه إنما يصار إلى الجمع عند التعارض، ولا تعارض بين اللفظين في الحديث بل هما مترادفان كما مر بالشواهد.

الأمر الثاني: أن هذا الجمع المذكور لا يسنده دليل من لغة ولا شرع، ولا ضرورة إليه.

الترجيح:

بعد استعراض الأقوال والأدلة يظهر بجلاء رجحان القول بأن ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وما يدركه مع الإِمام هو أول صلاته، وذلك للحديث الصحيح الذي جاء بلفظ الإتمام، والإتمام لا يكون إلا لشيء تقدم أوله ولأنه يترتب على القول بأن ما يدركه هو آخر صلاته أن يصلي المسبوق الركعة الثالثة والرابعة مثلا قبل الأولى والثانية وهذا فيه تنكيس للركعات.

وهذا ما رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى[48]

ثمرة الخلاف:

لهذا الخلاف فوائد كثيرة ظاهرة في حق المسبوق بركعة أو أكثر:

(منها) محل الاستفتاح والتعوذ والتشهد والتورك.

و (منها) قراءة السورة بعد الفاتحة.

(ومنها) عدد التكبيرات الزوائد في الركعة المقضية من صلاة العيد.

(ومنها) تكبيرات الجنازة، ماذا يقول فيما أدرك منها[49]

المبحث الأول : أحكام المسبوق في صلاة العيد:

من لم يدرك أول الصلاة مع الإِمام في العيد فلا يخلو من أحوال :

1 - أن تفوته تكبيرات الركعة الأولى أو بعضها ويدرك الركعة.

2 - أن تفوته الركعة الأولى كلها.

3 - أن تفوته الركعتان كلتاهما، ويدرك الإِمام قبل أن يسلم.

وسأبين هذه الأحوال الثلاثة في المطالب الثلاثة الآتية إن شاء اللَّه تعالى.

المطلب الأول: من فاته أول الصلاة وأدرك الركعة:

من أدرك الإِمام في صلاة العيد في الركعة الأولى بعد فراغه من التكبيرات أو بعضها، فقد اتفق العلماء على أنه يدخل معه على الحال الذي أدركه عليها[50]

ولكنهم اختلفوا في مشروعية إتيانه بما فاته من التكبيرات إلى قولين:

القول الأول: أنه يقضي ما فاته من التكبيرات بعد فراغ الإِمام من تكبيراته، وهذا مذهب الحنفية[51]

وهو المشهور عند المالكية[52] وهو قديم قولي الشافعي[53] وقال به بعض الحنابلة[54]

القول الثاني: أن من أدرك الإِمام قائمًا بعد فراغه من التكبيرات أو بعضها أو أدركه راكعًا لم يأت بما فاته من التكبير مطلقًا.

وهذا مذهب الشافعية الجديد[55] وهو الصحيح من مذهب الحنابلة[56]

وهو قول عند المالكية[57]

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:

1 - أن هذا مسبوق أمكنه فعل ما فاته من الذكر الخفيف في محله فيأتي به كتكبيرة الإحرام[58] والذكر الفائت يقضى قبل فراغ الإِمام، بخلاف الفعل[59]

ويناقش هذا: بأن انشغاله بما فاته من التكبير يفضي إلى ترك ما أمر به من الإنصات والاستماع.

2 - أن التكبيرات الزوائد افتتاح للركعة في العيد فشرعت للمسبوق كالافتتاح بتكبيرة الإحرام[60]

ويناقش هذا: بأنه يكفي لافتتاح الصلاة تكبيرة واحدة وهي تكبيرة الإحرام.

واستدل أصحاب القول الثاني بالآتي:

1 - أن التكبيرات الزوائد سنة فات محلها، فلا يأتي بها كدعاء الاستفتاح والتعوذ[61]

ونوقش هذا:

بعدم التسليم بأن التكبيرات في العيد سنة بالإجماع، بل هي واجبة عند بعض العلماء[62]

2 - أن المأموم مأمور بالإنصات والاستماع إلى القراءة - فلا يتشاغل عن ذلك الواجب بذكر مستحب[63]

ويمكن أن يناقش هذا:

بمثل ما تقدم من عدم التسليم بأن التكبيرات من الذكر المستحب، بل قيل إنها من الذكر الواجب.

3- أن المأموم لو أدرك الإِمام راكعًا سقط عنه التكبير - فكذا في مسألتنا[64]

ويناقش بأمرين:

الأمر الأول: أن المقيس عليه غير متفق عليه، فقد قال أبو حنيفة يكبر وهو راكع[65]

الأمر الثاني: أن سقوط التكبير في حال الركوع إنما كان للضرورة كسقوط الفاتحة، ولا ضرورة إلى إسقاط التكبير في حال القيام لإمكانه.

الترجيح:

لعل الراجح من القولين هو القول الثاني وهو أن المسبوق لا يقضي ما فاته من التكبير، وذلك لأن الاستماع إلى القراءة أوْلى من الانشغال بالتكبيرات الزوائد لقول اللَّه تعالى : {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[66]

المطلب الثاني: من فاتته ركعة واحدة:

من فاتته الركعة الأولى مع الإِمام وأدرك معه الركعة الثانية فقد اتفق العلماء على أنه يقضي الركعة الفائتة على صفتها[67]

واستدلوا لذلك بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" وَفِي رِوَايَةٍ  "فَاقْضُوا"[68]

ولأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع فقضاها على صفتها كسائر الصلوات[69]

ومع اتفاقهم على قضاء الركعة الباقية إلا أنهم اختلفوا في صفة قضائها في عدد تكبيراتها، هل تكون بعدد تكبيرات الركعة الأولى من صلاة العيد، أو تكون بعدد تكبيرات الركعة الثانية؟[70]

وهذا الخلاف راجع إلى مسألة ما يقضيه المسبوق هل أول صلاته أو آخرها؟

فعلى القول بأن ما يدركه المسبوق مع الإِمام فهو آخر صلاته - يقوم المسبوق بعد سلام الإِمام ويقضي الركعة الأولى بتكبيراتها.

وعلى القول بأن ما يدركه المسبوق مع الإِمام هو أول صلاته - فعليه أن يأتي بعد سلام الإِمام بالركعة الثانية وتكبيراتها.

والمسألة مبسوطة في أول البحث بما يغني عن إعادتها هنا وبالله التوفيق.

وكذا اختلفوا هل يكبر في الركعة المقضية برأيه أم برأي إمامه، بمعنى هل يراعي مذهبه في التكبير أو مذهب إمامه؟

الجمهور يرون أنه يراعي مذهب نفسه لا مذهب إمامه[71] لأن المسبوق منفرد في القراءة والسهو فكذا في التكبير[72]

وذهب المالكية[73]  وبعض الحنابلة[74] إلى أن يراعي مذهب إمامه في القضاء كالمأموم للأمر بإتباع الإمام.

ولئلا يؤدي أخذه برأي نفسه إلى أن يكبر في الركعتين عددًا يخالف به الإجماع[75]

ولعل قول الجمهور أقرب والله أعلم.

المطلب الثالث: من فاتته الركعتان في العيد وأدرك الإِمام قبل أن يسلم:

من أدرك الإِمام في العيد بعدما رفع رأسه من الركعة الثانية وقبل أن يسلم ، فقد اتفق الفقهاء رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى على أنه يقضي ما فاته بعد سلام الإِمام[76]

وذهب عامتهم إلى أنه يقضيها ركعتين على صفتها لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" . ولأن القضاء يحكي الأداء[77]

وذهب محمد من الحنفية، والقاضي من الحنابلة، إلى أنه يقضيها أربعًا قياسًا على صلاة الجمعة إذا فاتت[78]

والراجح هنا قول الجمهور، لأن الأصل في القضاء أن يكون على صفة الأداء إلا ما استثني شرعًا وهو الجمعة، ولم يرد ذلك في العيد فيبقى[79]

وهل يدرك في هذه الحالة فضل الجماعة؟

يرجع هذا إلى مسألة (ما تدرك به الجماعة)[80]

المبحث الثاني: أحكام المسبوق في صلاة الاستسقاء:

إن الناظر في كتب الفقه لا يجد للفقهاء كلامًا خاصًّا عن المسبوق في صلاة الاستسقاء، وذلك للأسباب التالية:

أولا: أن الحنفية لا يرون مشروعية الصلاة في الاستسقاء أصلا، وإنما يرون أن الاستسقاء إنما يكون بالدعاء المجرد، أو صلاة الناس فرادى لا بجماعة[81]

ثانيًا : أن المالكية لا يرون مشروعية التكبيرات الزوائد في الاستسقاء، وبالتالي فإن صلاة الاستسقاء عندهم كسائر الصلوات[82] وعليه يكون حكم المسبوق فيها عندهم كحكمه في سائر الصلوات.

ولذا فإنهم لا يتكلمون عنه بخصوصه في الاستسقاء.

ثالثًا: أن الشافعية والحنابلة يرون أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد تمامًا، ونصوا على ذلك في مؤلفاتهم:

ففي المجموع (صفة هذه الصلاة أن ينوي صلاة الاستسقاء ويكبر ويصليها ركعتين مثل صلاة العيد... )[83]

وفي مغني المحتاج (وهي ركعتان كالعيد في كيفيتها من التكبير سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية )[84]

 

وفي المستوعب للحنابلة (ثم يصلي بهم ركعتين كصلاة العيد في صفتها وأحكامها)[85]

وفي كشاف القناع (وصفتها في موضعها وأحكامها كصفة صلاة العيد لأنها في معناها قال ابن عباس : " سُنَّةُ الاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الْعِيدَيْنِ"[86] [87]

وعلى هذا فإن حكم المسبوق عند الشافعية والحنابلة كحكمه في صلاة العيد وقد تقدم تفصيل ذلك عندهم بما يغني عن إعادته هنا.

والله أعلم وبالله التوفيق.

المبحث الثالث : أحكام المسبوق في صلاة الكسوف

يتبع في الجزء الثاني بمشيئة الله تعالى...



[1]   بشر في مجلة جامعة الإمام العدد (54).

[2]   متفق عليه صحيح البخاري 1/156، (كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، ومسلم 1/420، كتاب المساجد ومواضع الصلاة).

[3]   ينظر الترغيب والترهيب للمنذري 1/2280 وما بعدها .

  [4]   سورة النازعات /4 .

[5]   معجم مقاييس اللغة ص 503، مختار الصحاح ص 215، القاموس المحيط / 1152 مادة ( سبق ).

[6]   المصباح المنير ص 265.

[7]   البحر الرائق 1/661، الدر المختار 1/596.

[8]   فتح العزيز 4/427.

[9]   المبسوط 1/35، البدائع 1/138، تبيين الحقائق 1/152، حاشية ابن عابدين 1/596.

[10]   الهداية 1/43، المحرر 1/96، المستوعب 2/312، الفروع 2/437، شرح الزركشي 2/246، كشاف القناع 3/161.

[11]   الكافي لابن عبد البر 1/214، المعونة 1/277.

[12]   الأوسط 4/239، الشرح الكبير / 299، طرح التثريب 2/362 .

[13]   المدونة 1/296، الاستذكار 1/427، شرح الخرشي 2/46، القوانين الفقهية / 50، جواهر الإكليل 1/84 ، وانظر : طرح التثريب 2/361.

[14]   فتح العزيز 4/427، روضة الطالبين 1/378، أسنى المطالب 1/232، مغني المحتاج 1/260، نهاية المحتاج 1/231.

[15]   المستوعب 2/213، الفروع 2/438، شرح الزركشي 2/247، المبدع 2/50 وينظر القواعد لابن رجب / 368.

[16]   الأوسط 4/239، معالم السنن 1/298، المجموع / 220.

[17]   أخرجه النسائي في الإمامة 2/88، وأحمد في مسنده 2/238، وقال أبو داود في سننه 1/156: (قال ابن عيينة عن الزهري وحده (فاقضوا)". وأخرجه ابن أبي شيبة 2/853، وابن الجارود / 305، وابن حبان (الإحسان 5/517)، والبيهقي 2/297، والطحاوي 1/396.

[18]   الاستذكار 1/429، طرح التثريب 2/362، الشرح الكبير 5/299.

[19]   شرح الزركشي 2/246.

[20]   سورة الجمعة /10.

[21]   سورة البقرة /200.

[22]   تنقيح التحقيق 2/1149، طرح التثريب 5/362، المجموع 4/221، مغني المحتاج 1/260.

[23]   سنن البيهقي 2/297.

[24]   معالم السنن 1/298.

[25]   سورة الجمعة /10.

[26]   فتح الباري 2/119 "ببعض التصرف"، ونقله الشوكاني في نيل الأوطار 3/171.

[27]   تنظر هذه الخلاصة في طرح التثريب 2/362.

[28]   رواه مسلم 5/100، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، وأخرجه البخاري في جزء القراءة ص 116، وأحمد 2/382، الحديث رقم ( 9149 ).

[29]   كشاف القناع 3/162.

[30]   المعونة 1/278، الاستذكار 1/428.

[31]   ينظر الاستذكار 1/429.

[32]   ينظر نيل الأوطار 3/173.

[33]   أخرجه البخاري 1/156، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، ومسلم 1/420، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.

[34]   الاستذكار 1/429.

[35]   المجموع 4/220، مغني المحتاج 1/260.

[36]   فتح الباري 2/119 - وتقدم ذلك.

[37]   شرح الزركشي 2/247، كشاف القناع 3/163.

[38]   تنقيح التحقيق 2/1149، معالم السنن 1/298.

[39]   ينظر تعليق الشيخ عبد اللَّه الجبرين على شرح الزركشي 2/247.

[40]   الأوسط 4/240، نيل الأوطار 3/171.

[41]   طرح التثريب 2/362.

[42]   نيل الأوطار 3/171.

[43]   الأوسط لابن المنذر 4/238، نيل الأوطار 3/173.

[44]   الأوسط 4/240.

[45]   أخرجه البيهقي 2/299، باب ما أدرك من صلاة الإِمام فهو أول صلاته من كتاب الصلاة، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار 3/172

[46]   حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/236، وحاشية العدوي على شرح الخرشي 2/46.

[47]   التاج والإكليل 2/131، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1/346.

[48]   مجموع فتاوى سماحة الشيخ 1/431، السؤال رقم (462).

[49]  تنظر ثمرة الخلاف مفصَّلة في كل من (القواعد لابن رجب ص 368 وشرح الزركشي 2/248 والإنصاف للمرداوي 2/225) ومواضعها من هذا البحث.

[50]   ينظر مراتب الإجماع / 25، وبدائع الصنائع 1/314، شرح الخرشي 2/48، المجموع 4/101، الشرح الكبير 5/298، نيل الأوطار 3/193. وهذا ليس خاصًّا بصلاة العيد بل هو عام في كل الصلوات فيدخل المأموم مع إمامه على أي وضع أدركه عليه، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة). أخرجه أبو داود 1/553، (كتاب الصلاة باب في الرجل يدرك الإِمام ساجدًا) . وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/57، والدارقطني في سننه 1/347، والبيهقي 2/89، والحاكم 1/216، وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في إرواء الغليل 2/260، وعن علي ومعاذ رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإِمام). أخرجه الترمذي 2/485، (كتاب الصلاة باب ذكر الرجل يدرك الإِمام). وقال: والعمل عليه عند أهل العلم. ولكن قال الحافظ: "فيه ضعف وانقطاع". التلخيص الحبير 2/88.

[51]   بدائع الصنائع 1/278، فتح القدير 2/78. البحر الرائق 2/282، الفتاوى الهندية 1/151. وزاد أبو حنيفة ومحمد : أنه يقضي ما فاته من التكبيرات حتى ولو وجد الإِمام راكعًا - فيكبر معه أثناء الركوع ولكن لا يرفع يديه مع هذا التكبير.

واحتجوا على ذلك بأن الركوع له حكم القيام ألا ترى أن مدركه يكون مدركًا للركعة، ولأن التكبيرات واجبة عندهم وتسبيح الركوع سنة والاشتغال بالواجب أولى.

وقال أبو يوسف : لا يكبر أثناء الركوع لأنه فات محله وهو القيام، لأنه تسقط عنه القراءة فالتكبير أولى. ينظر : البدائع 1/278، فتح القدير 2/78، والجوهرة النيرة 1/120، الإنصاف 5/363 .

[52]   الذخيرة 2/474، مواهب الجليل 2/192، الشرح الكبير للدرديري 1/396، جواهر الإكليل 1/102.

[53]   فتح العزيز 5/61، المجموع 5/19، روضة الطالبين 2/73.

[54]   الإنصاف 5/363.

[55]   فتح العزيز 5/61، المجموع 5/19، روضة الطالبين 2/73، مغني المحتاج 1/311.

[56]   المستوعب 3/60، الفروع 3/203، الإنصاف 5/363، كشاف القناع 3/407.

[57]   مواهب الجليل والتاج والإكليل 2/192، حاشية العدوي 2/101.

[58]   البدائع 1/278، شرح الخرشي 2/101.

[59]   فتح القدير 2/78.

[60]   حاشية الدسوقي 1/397.

[61]   المبدع 2/185، كشاف القناع 3/407.

[62]   وهو مذهب الحنفية (البدائع 1/278، فتح القدير 2/78، الفتاوى الهندية 1/151).

[63]   ينظر التاج والإكليل 2/192، حاشية العدوي 2/101.

[64]   الفروع 3/203، الإنصاف مع الشرح الكبير 5/363.

[65]   فتح القدير 2/78، الجوهرة النيرة 1/120، ويراجع ما تقدم ص ( 165 ).

[66]   سورة الأعراف /204.

[67]   البدائع 1/79، فتح القدير 2/78، المبسوط 2/40، مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل 2/192، شرح الخرشي 2/101، المجموع 5/19، مغني المحتاج 1 / ، أسنى المطالب 1/280، المستوعب 3/60، الشرح الكبير 5/263، الفروع 3/207، المبدع 2/189.

[68]   تقدم تخريجه.

[69]   المغني 3/285، الشرح الكبير 5/263.

[70]  الفقهاء مختلفون في عدد تكبيرات صلاة العيد الزوائد:

فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يكبر في الأولى ستًّا وفي الثانية خمسًا.

وذهب الشافعية إلى أن يكبر في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمسًا.

وذهب الحنفية إلى أنه يكبر ثلاثًا في الأولى غير تكبيرة الإحرام وثلاثًا في الثانية غير تكبيرة القيام.

ينظر: للحنفية: المبسوط 2/38، والبحر الرائق 2/280.

وللمالكية: الكافي 1/264، وبداية المجتهد 1/217، التلقين / 42.

وللشافعية: المجموع 5/17، ومغني المحتاج 1/311.

وللحنابلة: المغني 3/272، والإنصاف 2/427 .

[71]   المبسوط 2/40، فتح القدير 2/78، الفروع 3/207، والإنصاف 5/363.

[72]   المبدع / 190.

[73]   حاشية الرهوني 2/101.

[74]   الفروع 3/208، المبدع 2/190.

[75]   المبدع 2/190.

[76]   فتح القدير 2/78، الفتاوى الهندية 1/151.

- التاج والإكليل 2/193، شرح الخرشي 2/101.

- المجموع 4/219، المجموع 5/29.

- المستوعب 3/60، المغني 3/285، العدة / 149

[77]   المبدع 2/189.

[78]   ينظر الفتاوى الهندية 1/151، والفروع 3/207، والإنصاف للمرداوي 5/362.

[79]   ينظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث 8/307.

[80]   اختلف العلماء بما تدرك به صلاة الجماعة إلى قولين:

أحدهما: أنه يدركها بأقل جزء ولو في التشهد قبل سلام الإمام. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (ينظر: تبيين الحقائق 1/184، العناية على الهداية 1/479، والمجموع 4/219، نهاية المحتاج 2/145، والمستوعب 2/308، الشرح الكبير 4/291، كشاف القناع 3/158).

واحتجوا على ذلك بعموم قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (فما أدركتم فصلوا) وهذا يقع على أي جزء من الصلاة فمن لحق به فإنه يعد مدركًا ومأمورا بالدخول مع الإِمام فيه، ولو لم يدرك بذلك فضل الجماعة لخلا الحديث عن الفائدة وهو ما ينزه عنه الشرع (ينظر: طرح التثريب 3/359، ومغني المحتاج 1/231).

الثاني: أن الجماعة لا تدرك إلا بركعة كاملة. وهذا مذهب المالكية وقول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإِسلام. (ينظر: بلغة السالك 1/152، مختصر خليل مع شرح الخرشي 2/48، القوانين الفقهية / 50، وفتح العزيز 3/288، الإنصاف 2/222، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام 32/321).

واحتجوا على ذلك بما أخرج البخاري 1/145، ومسلم 1/423 من قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). وفي رواية (مع الإِمام) انفرد بها مسلم 1/424.

قالوا: وهذا نص في موضع النزاع، ويفيد أن ما دون الركعة لا يحصل به الإدراك، وليس محسوبًا من صلاة المسبوق، بل ولم يعلق به الشرع شيئًا من الأحكام. (ينظر: فتح العزيز 3/388، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام 23/331).

ولعل هذا القول هو الراجح لقوة دليلهم وهو ما رجحه الشيخ عبد العزيز في مجموع فتاواه 2/376. والشيخ محمد في الشرح الممتع 4/111. ومع ذلك فقد يدرك المسلم فضل الجماعة بالنية الحسنة لحديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللَّه مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا). أخرجه أبو داود 1/211، والنسائي 2/111، والحاكم 1/208، وصححه ووافقه الذهبي.

[81]   ينظر: بدائع الصنائع 1/282، فتح القدير 2/91، البحر الرائق 2/293، حاشية ابن عابدين 2/184، الفتاوى الهندية 1/153.

[82]   الذخيرة 2/435، المعونة 1/333، الكافي 1/268، التاج والإكليل 2/207، القوانين الفقهية / 60

[83]   المجموع 5/73.

[84]   مغني المحتاج 1/323، وينظر شرح روض الطالب 2/291.

[85]   المستوعب 3/83، ومثله في المقنع / 45، والهداية 1/56.

[86]   رواه الدارقطني في سننه 2/66، والحاكم في المستدرك 1/326، والبيهقي في سننه 3/348، وابن المنذر في الأوسط 4/321، وقد صححه الحاكم، وضعفه غيره.

[87]   كشاف القناع 3/438.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
إمارة الرياض توجه فرع الهيئة بسحب العباءات المخالفة
أكد الشريمي لـلصحافة المحلية أنه بالنسبة لما تم تداوله حول موضوع مخالفات العباءات، إنما هو تأكيد من مقام إمارة منطقة الرياض على التقيد بالأمر السامي الكريم الصادر منذ فترة
باحث شرعي : ليس للزوج منع زوجته من حجة الإسلام
يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في حج النافلة، وأهل العلم قد أجمعوا على أنّ للرجل منع زوجته من الخروج إلى الحج التطوع
علماء : الإسلام حث على العمل... والكسل سبب تأخر الأمة
أكد عدد من العلماء على دعوة الإسلام للعمل والإنتاج ما بقى المسلم على قيد الحياة، حتى وإن لم يدرك ثمرة هذا العمل، وذلك لبيان قيمة العمل وأهمية الإنتاج للأفراد والأمم.
أحكام المسبوق في غير الفرائض (2-2)
اختلف الفقهاء في صفة صلاة الكسوف: فذهب الحنفية إلى أنها تصلى ركعتين كهيئة النافلة والفجر والجمعة ونحوها فلا يتعدد فيها الركوع وعلى هذا فإن حكم المسبوق عندهم فيها ...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م