العلماء المعاصرون وبيع المرابحة للآمر بالشراء(2-2)
|
علي بن عبد العزيز الراجحي
أضيف فى 1429/05/22 الموافق 2008/05/27 - 12:00 ص

بحث في بيع المرابحة (2-2)

العلماء المعاصرون وبيع المرابحة للآمر بالشراء

الباب الثاني: خلاف العلماء المعاصرين في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة اختلافاً كبيراً فمنهم من يرى جواز هذا العقد ومنهم من يرى أن هذا العقد باطل ويحرم التعامل به ولكل من الفريقين وجهته وسنستعرض أدلة الفريقين باختصار ونصل إلى القول الراجح إن شاء الله بعد دراسة أدلة الفريقين والردود عليها:

·        الفصل الأول: القائلون بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء مع كون الوعد ملزماً للمتعاقدين (القول الأول)

§        المطلب الأول: أسماء القائلون بالجواز

 قال بهذا الرأي جماعة من فقهاء العصر منهم:

1- د. سامي حمود في كتابه تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية[1].

2- د. يوسف القرضاوي في كتابه بيع المرابحة للأمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية[2].

3- د. علي أحمد السالوس في بحثه بعنوان المرابحة للآمر بالشراء نظرات في التطبيق العملي[3].

4- د. الصديق محمد الأمين الضرير في بحثه بعنوان المرابحة للآمر بالشراء[4].

5- د. إبراهيم فاضل الدبو في بحثه بعنوان المرابحة للآمر بالشراء دراسة مقارنة[5].

6- الشيخ محمد علي التسخيري في بحثه بعنوان نظرة إلى عقد المرابحة للآمر بالشراء[6].

 

§         المطلب الثاني: أدلة القائلون بالجواز

احتج هذا الفريق من أهل العلم بأدلة منها:

الأول: الأصل في المعاملات الإباحة: "إن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة إلا ما جاء نص صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرمه فيوقف عنده ولا أقول هنا ما قاله البعض من ضرورة نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة ففي الأحكام الفرعية العملية يكفينا النص الصحيح الصريح.

وهذا بخلاف العبادات التي تقرر: أن الأصل فيها المنع حتى يجيء نص من الشارع لئلا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله. فإذا كان الأساس الأول للدين ألا يعبد إلا الله فإن الأساس الثاني ألا يعبد الله إلا بما شرع. وهذه التفرقة أساسية ومهمة فلا يجوز أن يقال لعالم: أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة؟ إذ الدليل ليس على المبيح لأنه جاء على الأصل وإنما الدليل على المحرم والدليل المحرم يجب أن يكون نصاً لا شبهة فيه كما هو اتجاه السلف الذين نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم ما كانوا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزماً"[7].

"ومما ينبغي تأكيده هنا: أن الاتجاه التشريعي في القرآن والسنة هو الميل إلى تقليل المحرمات وتضييق دائرتها تخفيفاً على المكلفين ولهذا كرهت كثرة الأسئلة في زمن الوحي لما قد يؤدي إليه من كثرة التكليفات وهو ما يشير إليه قوله تعالى: } أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ {[8]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم" كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه[9]، وقوله: "إن أعظم المسلمين على المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته". كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه[10]، فلا ينبغي أن نخالف هذا الاتجاه القرآني والنبوي بتكثير المحرمات وتوسيع دائرة الممنوعات"[11].

 

الثاني: عموم النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على حل جميع أنواع البيع إلا ما استثناه  الدليل الخاص.

قال د. يوسف القرضاوي: "إن البيع خاصة جاء في حله نص صريح من كتاب الله تعالى يرد به على اليهود الذين زعموا أن الربا كالبيع أو البيع كالربا لا فرق بينهما. }ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا{، فهذه الجملة القرآنية }وأحل الله البيع{ تفيد حل كل أنواع البيع سواء كان عيناً بعين (المقايضة) أم ثمناً بثمن (الصرف) أو ثمنا بعين (السلم) أو عينا بثمن (هو البيع المطلق). وسواء كان حالاً أم مؤجلاً نافذاً أو موقوفاً. وسواء كان بيعا بطريق المساومة أم بطريق الأمانة وهو يشمل: المرابحة (وهو البيع بزيادة على الثمن الأول) والتولية (وهو البيع بالثمن الأول) والوضيعة (وهو البيع بأنقص من الثمن الأول)، أو بطريق المزايدة.

فهذه كلها وغيرها حلال لأنها من البيع الذي أحله الله تعالى: ولا يحرم من البيوع إلا ما حرمه الله ورسوله بنص محكم لا شبهة فيه.

وأنقل هنا كلمة قوية لأبن حزم في (المحلي) قال في المسألة 1501: "والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة: وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا لأن التواعد ليس بيعاً وكذلك المساومة أيضا جائزة تبايعا أو لم يتبايعا لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه قال تعالى: }وقد فصل لكم ما حرم عليكم{ [الأنعام: 119] فكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن إذ ليس في الدين إلا فرض أو حرام أو حلال فالفرض مأمور به في القرآن والسنة والحرام مفصل باسمه في القرآن والسنة وما عدا هذين فليس فرضا ولا حراماً فهو بالضرورة حلال إذ ليس هنالك قسم رابع".

وهذا الذي قاله ابن حزم - في حل ما لم يفصل لنا تحريمه من البيوع - مقرر في جميع المذاهب.

فعند المالكية نجد العلامة ابن رشد الجد في كتابه "المقدمات" يقول: "البيوع الجائزة هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي لأن الله تعالى أباح البيع لعباده وأذن لهم فيه في غير ما آية من كتابه. من ذلك قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا)... ولفظ البيع عام لأن الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام صار من ألفاظ العموم.. واللفظ العام إذا ورد يحمل على عمومه إلا أن يأتي ما يخصه فإن خص منه شيء بقي ما بعد المخصوص على عمومه أيضاً. فيندرج تحت قوله تعالى: }وأحل الله البيع{ كل بيع إلا ما خص منه بالدليل... فبقي ما عداها على أصل الإباحة".

وعند الحنفية - نجد صاحب الهداية يقول في باب المرابحة والتولية: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح. قال: "والبيعان جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجب القول بجوازهما ولهذا كان مبناهما على الأمانة.. إلخ".

وهنا يعلق محقق الحنفية الكمال بن الهمام على استدلال صاحب الهداية فيقول: "ولا يخفى أنه لا يحتاج  الى دليل خاص لجوازها بعد الدليل المثبت لجواز البيع مطلقاً بما تراضيا عليه بعد أن لا يخل بما علم شرطاً للصحة بل دليل شرعية البيع مطلقاً بشروطه المعلومة هو دليل جوازها...".

وقال الإمام الشافعي في كتابه "الأم" تفريعا على قول الله }وأحل الله البيع{: "فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر (أي التصرف) فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها. وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بإذنه يداخل في المعنى المنهي عنه. وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى".

هذا أظهر الأقوال وأصحها في معنى الآية كما ذكر النووي فلفظ البيع في الآية لفظ عموم يتناول كل بيع ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل واستدل لذلك صاحب الحاوي (الماوردي) بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها وبين  صلى الله عليه وسلم المخصوص.

وعند الحنابلة نجد شيخ الاسلام ابن تيمية يؤكد: "أن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقه وجله مثل أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر..

ثم يقول: والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله ما دل الكتاب والسنة على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"[12].

 

الثالث: النصوص الواردة عن بعض الفقهاء في إجازة هذا العقد وأهم هذه النصوص ما يلي:

جاء في كتاب الحيل لمحمد بن الحسن الشيباني قال: "قلت: أرأيت رجلاً أمر رجلاً أن يشتري داراَ بألف درهم وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم فأراد المأمور شراء الدار ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها فتبقى في يد المأمور كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام ويقبضها ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة  درهم فيقول المأمور: هي لك بذلك فيكون ذلك للآمر لازما ويكون استيجابا من المأمور للمشتري: أي ولا يقل المأمور مبتدئاً بعتك إياها بألف ومائة لأن خياره يسقط بذلك فيفقد حقه في إعادة البيت إلى بائعه وان لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار فيدفع عنه الضرر بذلك"[13].

و قال العلامة ابن القيم: "رجل قال لغيره: اشتر هذه الدار- أو هذه السلعة من فلان - بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خياراً أنقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه"[14].

 

الرابع: المعاملات مبنية على مراعاة العلل والمصالح:

إن الشرع لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها. أو خشي منه أن يؤدي إلى نزاع وعداوة بين الناس وهو أساس تحريم الميسر والغرر. فالمنع في هذه الأمور ليس تعبدياً بل هو معلل ومفهوم وإذا فهمت العلة فإن الحكم يدور معها وجوداً وعدماً. وهذا هو الأصل في باب المعاملات بخلاف باب العبادات فالأصل فيه التعبد وامتثال المكلف لما هو مطلوب منه دون بحث عن العلة أو المصلحة. وبناء على أن الأصل في المعاملات النظر إلى المصلحة رأينا بعض فقهاء التابعين قد أجازوا التسعير مع ما ورد فيه من الحديث التفاتا إلى العلة والمقصد.

ومثل ذلك إجازتهم عقد الاستصناع مع أنه بيع معدوم نظراً لحاجة الناس إليه وجريان العمل به وقلة النزاع فيه.[15]

 

 الخامس: إن القول بجواز هذه المعاملة فيه تيسير على الناس

ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قد جاءت برفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم وقد تضافرت النصوص الشرعية على ذلك فمنها قوله تعالى: }يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{[16]، وقوله تعالى: }يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ {[17]، وقوله تعالى: }وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[18]{.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" رواه البخاري وغيره.

وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" رواه البخاري وغيره.

وإن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق رعاية لظروفهم وما غلب على أكثرهم من رقة الدين وضعف اليقين وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم والمعوقات عن الخير. ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول.

 

·   الفصل الثاني: القائلون بتحريم بيع المرابحة للآمر بالشراء وبأنه عقد باطل إذا كان الوعد ملزماً للمتعاقدين (القول الثاني)

§        المطلب الأول: أسماء القائلون بالتحريم

وقال بهذا القول كلاً من:

1- د. محمد سليمان الأشقر في كتابه (بيع المرابحة كما تجريه المصارف الإسلامية)[19].

2- د. بكر بن عبد الله أبو زيد في بحثه بعنوان (المرابحة للآمر بالشراء بيع المواعدة)[20].

3- د. رفيق المصري في بحثه (بيع المرابحة للآمر بالشراء في المصارف الإسلامية)[21].

       

§        المطلب الثاني: أدلة القائلون بالتحريم:

احتج هذا الفريق من أهل العلم بأدلة على بطلان هذا البيع وحرمته من ذلك:

§        الأول: أنه منهي عنه شرعاً لأنه يعتبر من باب بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عندك:

قال د. محمد الأشقر: "فإذا جرى الاتفاق على هذا - بيع المرابحة للآمر بالشراء- فهو عقد باطل وحرام لأسباب: إن البنك باع للعميل ما لم يملك  "وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض" وقد أشار إلى هذه العلة في بطلان هذا النوع من البيع الإمام الشافعي في كتابه الأم.. وأشار له ابن عبد البر من المالكية... وصاحب المغني من الحنابلة..."[22].

 

§   الثاني: إن هذا العقد باطل لأنه من باب البيع المعلق (أنه باع بيعاً مطلقاً أي لأنه قال للبنك إن اشتريتموها اشتريتها منكم وقد صرح بالتعليل للبطلان بهذه العلة الإمام الشافعي.. وابن رشد من المالكية.. حيث قال: "لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور").[23]

 

§   الثالث: إن بيع المرابحة للآمر بالشراء من باب الحيلة على الإقراض بالربا وقد أشار إلى هذه العلة المالكية كقول ابن عبد البر في الكافي: "معناه أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة مثال ذلك: أن يطلب رجل من آخر سلعة يبيعها منه بنسيئة وهو يعلم انها ليست عنده ويقول له: أشترها من مالكها بعشرة وهي علي باثني عشر إلى أجل كذا. فهذا لا يجوز لما ذكرنا... وأصل تعليل الفساد بهذا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما كما رواه البخاري: "أنه يكون قد باع دراهم بدراهم والطعام مرجأ"[24].

 

§   الرابع: إن هذه المعاملة تدخل في باب بيع العينة المنهي عنه وبيع العينة هو الذي يكون قصد المشتري فيه الحصول على العين أي النقد وليس الحصول على السلعة. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"[25].

ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن قصد العميل من العملية هو الحصول على النقود وكذلك المصرف فإن قصده الحصول على الربح فهي إذن ليست من البيع والشراء في شيء فإن المشتري الحقيقي ما لجأ إلى المصرف إلا من أجل المال. والمصرف لم يشتر هذه السلعة إلا بقصد أن يبيعها بأجل إلى المشتري وليس له قصد في شرائها"[26].

§   الخامس: إن هذه المعاملة تدخل ضمن بيع الكالئ بالكالئ أي الدين بالدين وورد النهي عنه شرعاً لما روي في الحديث عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ"[27].

قال د. رفيق المصري: "بيع المرابحة مع الملزم يفضي إلى بيع مؤجل البدلين.. فلا المصرف يسلم السلعة في الحال ولا العميل يسلم الثمن وهذا ابتداءً الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ الذي أجمع الفقهاء على النهي عنه مع ضعف الحديث الوارد فيه"[28].

 

§   السادس: إن هذه المعاملة تدخل ضمن عقدين في عقد (بيعتين في بيعة) فقد "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة"[29].. فالمواعدة إذا لم تكن ملزمة للطرفين لم يكن ثمة بيعتان في بيعة لكنها إذا صارت ملزمة صارت عقداً بعد أن كانت وعداً وكان هناك بيعتان في بيعة. فالبيعة الأولى بين المصرف وعميله المشتري والثانية بين المصرف والبائع[30].

 

§        السابع: قالوا: إن هذه المعاملة لم يقل بإباحتها فقهاء الأمة بل وجد من قال بحرمتها[31].

 

§   الثامن: قالوا: إن هذه المعاملة مبنية على القول بوجوب الوفاء بالوعد ونحن نأخذ بقول الجمهور القائلين بأن الوفاء بالوعد مستحب وليس واجباً وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية وبعض المالكية لذا لا يقضى به على الواعد لكن الواعد إذا ترك الوفاء فقد فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيهية ولكن لا يأثم[32].

هذه أهم الأدلة التي ساقها هؤلاء العلماء على قولهم ببطلان بيع المرابحة للآمر بالشراء.

 

·          الفصل الثالث: مناقشة أدلة القولين وبيان الراجح منها

§         المطلب الأول: مناقشة أدلة القولين  

    وقد نوقشت أدلة الفريقين بمناقشات من ذلك:

لا ريب أن استدلال المجيزين بعموم النصوص الدالة على حل جميع أنواع البيع وأن بيع المرابحة للآمر بالشراء يدخل ضمن ذلك استدلال وجيه ويمكن الاعتماد عليه في الحكم على المعاملة بالجواز لما يلي:

1ـ إن العموميات المذكورة تفيد حل جميع أنواع البيوع لأن هذه النصوص عامة والعام يشمل حكمه جميع أفراده إلا أن يخصص فإن خصص بقي ما لم يدخله التخصيص على  أصل الإباحة. وبيع المرابحة للآمر بالشراء يدخل في هذا العموم.

2- إن قول المانعين بأن بيع المرابحة للآمر بالشراء من بيوع العينة المحرمة لا يعتبر تخصيصاً لعموم قوله تعالى: }وأحل الله البيع وحرم الربا{ لأن جعل المرابحة من بيوع العينة اجتهاد من قائله اعتمد فيه على سد ذريعة الفساد وهذا الاجتهاد ظني والآية القرآنية قطعية والظني لا يخصص القطعي كما أن الاجتهاد لا يعد من مخصصات العام.

ويؤيد ذلك ما قاله ابن حزم: "وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه قال تعالى }وقد فصل لكم ما حرم عليكم{، فكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن" ويؤيده أيضا ما قاله ابن الهمام: "ولا يخفى أنه لا يحتاج إلى دليل خاص لجوازها - المرابحة - بعد الدليل المثبت لجواز البيع قطعا".

وما قاله الإمام الشافعي: "فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر -التصرف- فيما تبايعاه إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بإذنه وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى" فهذه الأقوال وإن ذكرها الفقهاء في معرض الاستدلال على مشروعية المرابحة البسيطة التي كانت معروفة عندهم إلا انه يمكن الاستدلال بها على مشروعية المرابحة للآمر بالشراء لأن تلك أصل لهذه[33].

3- إن اعتراض المانعين باحتجاج المجيزين لإجازة بيع المرابحة للآمر بالشراء أن فيه تيسيرا على الناس بقولهم: "إن التيسير يحسنه كل أحد وكذلك التشديد يحسنه كل أحد فلا غرض للباحث الأمين في أحد منهما فالتيسير يلغي الشريعة فلا تبقى منها إلا الراية أو الشعار والتشديد يمنع تطبيقها إنما الفقه الرصين في الضبط والدقة وفي إصدار الحكم باليقين أو بالترجيح أو بالشك تحليلا أو تحريما حسب قوة الأدلة وضعفها وحسب نعومة الفقيه أو إغضائه والباحث الدقيق ليست عنده عدة جاهزة للتيسير إذا أراد وعدة أخرى للتعسير كما أنه لا يرضى بأي رأي يعثر عليه لفقيه قد يكون معناه مراداً لصاحبه أو متوهماً لقارئه نعم لا بأس أن تختار رأي فقيه ما ولو كان رأيه مخالفاً لرأي الجمهور لكن لا لمجرد الرغبة في التيسير أو التعسير ولا بد من مواجهة أدلة الجمهور ومن أن تظهر قدرتك على الدفاع عن الرأي الذي اخترت فهذا يباعدنا عن مخاطر التلفيق المطلق بلا قيود"[34].

إن كلام المانعين غير مسلم لأن التيسير موافق لاتجاه الشريعة وخصوصاً في المعاملات التي قرر المحققون من العلماء أن الأصل فيها الأذن إلا ما جاء نص صريح بمنعه فيوقف عنده فمن يسر فهو في خط الشريعة واتجاه سيرها وهو ممتثل للتوجيه النبوي الكريم "يسروا ولا تعسروا" وأنه إذا وجد رأيان في المسألة الواحدة أحدهما أحوط والآخر أيسر فإننا نؤثر أن نفتي الناس بالأيسر ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما[35].

 وبيع المرابحة للآمر بالشراء عند القائلين بجوازه يعتمد على اجتهادات لأهل العلم وأدلتهم وجيهة وقوية ويترتب على القول بالجواز مصلحة ظاهرة وهذا من التيسير المشروع الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

4- إن قول المانعين بأن هذه المعاملة داخلة في بيع العينة غير مسلم لأن العينة التي ورد النهي عنها هي: أن يبيع شيئا إلى غيره بثمن معين (مئة وعشرين دينارا مثلا). إلى أجل (سنة مثلا) ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر (مئة مثلا) يدفعه نقداً فالنتيجة أنه سلمه مئة ليتسلمها عند الأجل مئة وعشرين.[36]

ومن المؤكد أن صورة المعاملة التي سميت "بيع المرابحة" والتي تجريها المصارف الاسلامية والتي أفتت فيها هيئات الرقابة(2)  الشرعية بالجواز - ليست من هذه الصورة الممنوعة في شيء. إذ من الواضح أن العميل الذي يجيء الى المصرف طالباً شراء سلعة معينة يريد هذه السلعة بالفعل، كالطبيب الذي يريد أجهزة لمستشفاه، أو صاحب المصنع الذي يريد ماكينات لمصنعه وغير هذا وذاك حتى إنهم ليحددون مواصفات السلعة (بالكتالوج) ويحددون مصادر صنعها أو بيعها.. فالسلعة مطلوب شراؤها لهم بيقين. والمصرف يشتريها بالفعل، ويساوم عليها، وقد يشتريها بثمن أقل مما طلبه العميل ورضي به، كما حدث هذا بالفعل، ثم يبيعها للعميل الذي طلب الشراء ووعد به، كما يفعل أي تاجر، فإن التاجر يشتري ليبيع لغيره، وقد يشتري سلعاً معينة بناء على طلب بعض عملائه.  وإذن يكون إدعاء أن هذا النوع من البيع هو من العينة التي شرحها ابن القيم رحمه الله والتي لا يقصد فيها بيع ولا شراء،،إدعاء مرفوضاً ولا دليل عليه من الواقع[37].

5- إن قول المانعين بأن هذه المعاملة تقع ضمن بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عندك قول فيه نظر، لأن المصارف الإسلامية التي تتعامل ببيع المرابحة للآمر بالشراء لا تقع في النهي الوارد عن بيع ما ليس عند الإنسان لأنها غالباً تعتمد نموذجين أحدهما للمواعدة والآخر للمرابحة فهي توقع مع العميل على نموذج المواعدة أولاً وبعد ذلك يقوم المصرف بشراء السلعة الموصوفة ثم بيعها للعميل ويوقع مع العميل النموذج الثاني وهو عقد بيع المرابحة وفق الشروط المتفق عليها في المواعدة[38] والمواعدة الحاصلة بين المصرف وطالب الشراء ليست بيعاً ولا شراء وإنما مجرد وعد لازم للطرفين.

 

§        المطلب الثاني: بيان القول الراجح:

بعد النظر في أدلة الفريقين والاعتراضات التي أوردت على تلك الأدلة والردود عليها يظهر لي رجحان قول المجيزين لبيع المرابحة للآمر بالشراء مع الإلزام بالوعد لكل من المصرف والعميل وأنه عقد صحيح يتفق مع القواعد العامة للعقود في الشريعة الإسلامية. لا سيما مع وجود الفتاوى الصادرة من المجامع الفقهية كما سيأتي.

 

الباب الثالث: الفتاوى الصادرة بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء

ناقش العلماء المعاصرون بيع المرابحة للآمر بالشراء وأصدروا فتاوى في المسألة من تلك الفتاوى:

1- الفتوى الصادرة عن المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي المنعقد في دبي في المدة من 23-25 جمادى الثانية 1399هـ

 "يطلب المتعامل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع أوصافها ويحدد مع المصرف الثمن الذي يشتريها به المصرف وكذلك الثمن الذي يشتريها به المتعامل مع البنك بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما.

التوصية:يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعداً من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها ووعداً آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقاً لذات الشروط.إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقاً لأحكام المذهب المالكي وملزم للطرفين ديانة طبقاً لأحكام المذاهب الأخرى وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه"[39].

 

2- الفتوى الصادرة عن المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في المدة ما بين 6-8 جمادى الآخرة عام 1403هـ:  مسألة: الوعد بالشراء جائز شرعاً:

يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أم جائز شرعاً طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسؤولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد  بعيب خفي وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعامــلات وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.[40]

 

3- الفتوى الصادرة عن الشيخ بدر المتولي عبد الباسط المستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي وقد كانت جواباً على السؤال التالي:

نرجو إفتاءنا في مدى جواز قيامنا بشراء السلع والبضائع نقداً بناء على رغبة ووعد من شخص ما بأنه مستعد - إذا ما ملكنا السلعة وقبضناها- أن يشتريها منا بالأجل وبأسعار أعلى من أسعارها النقدية.

ومثال ذلك: أن يرغب أحد الأشخاص في شراء سلعة أو بضاعة معينة لكنه لا يستطيع دفع ثمنها نقداً فنعتقد بأنه إذا اشتريناها وقبضناها سوف يشتريها منا بالأجل مقابل ربح معين مشار إليه في وعده السابق.

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن ما صدر من طالب الشراء يعتبر وعداً ونظراً لأن الأئمة قد اختلفوا في هذا الوعد هل هو ملزم أم لا فإني أميل إلى الأخذ برأي ابن شبرمة رضي الله عنه الذي يقول: "إن كل وعد بالتزام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً يكون وعداً ملزماً قضاء وديانة" وهذا ما تشهد له ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأخذ بهذا المذهب أيسر على الناس والعمل به يضبط المعاملات لهذا ليس هناك مانع من تنفيذ مثل هذا الشرط[41]. 

 

4- الفتوى الصادرة عن الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية حيث وجه إليه السؤال التالي بتاريخ 16 جمادى الآخر 1402 هـ الموافق 10 نيسان سنة 1982.

السؤال: إذا رغب عميل البنك الإسلامي شراء بضاعة ما تكلفتها ألف ريال سعودي وأراها البنك الإسلامي أو وصفها له ووعده بشرائها منه مرابحة بالأجل لمدة سنة بربح قدره مائة ريال سعودي

لتكون القيمة الكلية ألف ومائة ريال سعودي وذلك بعد أن يشتريها البنك من مالكها بدون إلزام العميل بتنفيذ وعده المذكور أو المكتوب.. فما رأيكم في هذه المعاملة. وجزاكم الله خيرا..

أجاب الشيخ عبد العزيز بن باز بما يلي:

الجواب: إذا كان الواقع ما ذكر في السؤال فلا حرج في المعاملة المذكورة إذا استقر المبيع في ملك البنك الإسلامي وحازه إليه من ملك بائعه لعموم الأدلة الشرعية. وفق الله الجميع لما يرضيه.[42]

 

5- قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادي الأولى 1409هـ ونصه:

بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوعي: (الوفاء بالوعد والمرابحة للآمر بالشراء) واستماعه للمناقشات التي دارت  حولهما قرر:

أولاً: إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور وحصول القبض المطلوب شرعاً هو بيع جائز طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.

ثانيا: الوعد (وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزماً للواعد ديانة إلا لعذر. وهو ملزم قضاء إذا كان معلقاً على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلاً بسب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.

 ثالثا: المواعدة (وهي التي تصدر من الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو احدهما فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه. حيث يشترط عندئذ ان يكون البائع مالكاً للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده.

ويوصي المؤتمر: في ضوء ما لاحظه من أن أكثر المصارف الإسلامية أتجه في أغلب نشاطاته إلى التمويل عن طريق المرابحة للآمر بالشراء.. بما يلي:

أولاً: أن يتوسع نشاط جميع المصارف الإسلامية في شتى أساليب تنمية الاقتصاد ولا سيما إنشاء المشاريع الصناعية أو التجارية بجهود خاصة أو عن طريق المشاركة والمضاربة مع أطراف أخرى.

ثانيا: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق (المرابحة للآمر بالشراء) لدى المصارف الإسلامية لوضع أصول تعصم من وقوع الخلل في التطبيق وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر بالشراء[43].

 

6  ـ قرار مجمع الفقه الإسلامي الدورة الخامسة قرار رقم ( 3,2 )

‏بعد الاطلاع على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع ‏ ‏(‏بيع المرابحة ‏ للآمر بالشراء‏) ‏ ‏واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما ‏قرر‏:

‏‏أن بيع المرابحة‏ للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور وحصول القبض المطلوب شرعا هو ‏‏ بيع ‏ جائز طالما كانت تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم وتوافرت شروط ‏‏ البيع ‏ وانتفت موانعه.. ‏

‏ويوصي: ‏بأنه في ضوء ما لاحظه من أن أكثر المصارف ‏ ‏الإسلامية اتجه في أغلب نشاطاته إلى التمويل عن طريق ‏‏ المرابحة ‏ للآمر بالشراء بالتالي‏:

‏ أولاً: أن يتوسع نشاط جميع المصارف الإسلامية في شتى أساليب تنمية الاقتصاد ولا سيما إنشاء المشاريع الصناعية أو التجارية بجهود خاصة أو عن طريق المشاركة والمضاربة مع أطراف أخرى.

ثانيا: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق (المرابحة للآمر بالشراء) لدى المصارف الإسلامية لوضع أصول تعصم من وقوع الخلل في التطبيق وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر.[44]

 

7 ـ قرار (الهيئة الشرعية) بشركة الراجحي المصرفية للاستثمار رقم ( 30 )‏ 

السؤال: نرجو إبداء الرأي الشرعي حول تعامل الشركة في المرابحة في البضائع الدولية الذي يتلخص فيما يلي‏: ‏

‏أولا‏: ‏يتقدم عميل ‏لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار‏ ‏يطلب أن تشتري ‏ ‏شركة الراجحي‏ ‏بضائع معلومة محددة المواصفات بالسعر المعلن لهذه البضائع عالميا وبعد ذلك تقوم الشركة ببيعها للعميل‏ ‏(‏طالب الشراء‏)‏ ‏على أن يدفع الثمن مؤجلا بتاريخ معين.

ثانيا: ‏تقوم‏ ‏شركة الراجحي ‏ ‏بشراء البضاعة المعنية من بنك استثماري يتعامل ببيع وشراء هذه البضائع وتدفع له القيمة ويقوم البنك ‏ ‏الاستثماري بتسجيل هذه البضائع لحساب‏ ‏شركة الراجحي ‏ ‏ويبلغها بذلك ‏ ‏بالتلكس. ‏

‏ثالثا: ‏تقوم‏ ‏شركة الراجحي ‏بعد ذلك ببيع هذه البضائع للعميل ‏(‏طالب الشراء) ‏ثم تطلب من البنك ‏الاستثماري تحويل ملكية هذه البضائع لديه من ملكيتها إلى ملكية العميل ‏ ‏(طالب الشراء‏).

رابعا:‏ ‏يقوم العميل ‏(طالب الشراء‏)‏ ‏بتسديد قيمة هذه البضائع إلى‏ ‏شركة الراجحي ‏في موعد مؤجل‏؟

الجواب: لا ترى الهيئة مانعا أن تستثمر الشركة أموالها من خلال هذه المعاملة بشرط أن تكون تلك البضائع موجودة فعلا في مستودعات البنك ‏ ‏الاستثماري وتقيد باسم ‏ ‏شركة الراجحي ‏ ‏ويزود البنك الشركة بشهادة من مستودعاته تثبت وجود البضائع في مستودعاته وملكيتها‏ ‏ ‏للراجحي‏ ‏في تاريخ انعقاد الصفقة على أن يكون تعامل الشركة في هذه المعاملة بصفة مؤقتة ريثما تستكمل استثمار أموالها بطرق وعقود أقرب إلى السلامة الشرعية من هذه المعاملة.[45]

 

الخاتمة

الحمد لله الذي تتم به الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. فقد تم هذا البحث الذي حول نوع من أنواع البيع المعاصرة (بيع المرابحة) وقد خرجت بنتائج منها:

1- بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تتعامل به المصارف الإسلامية بيع صحيح مشروع على الراجح من أقوال أهل العلم.

2- إن إتباع الخطوات الصحيحة لبيع المرابحة للآمر بالشراء يعصم من الوقوع في الزلل والخطأ ويبعد المتعاملين عن الشبهات كما في الفتاوى الملحقة.

3- المطلوب من المصارف الإسلامية توسيع دائرة نشاطها واستعمال أساليب الاستثمار الجائزة شرعاً كبيع المرابحة للآمر بالشراء.

4- المطلوب من القائمين على المصارف الإسلامية أن يفكروا بعقلية التاجر المسلم ولا يفكروا بعقلية الممول فحسب فينظروا إلى قيمة الربح السريع وتجنب المخاطر لأن التجارة فيها نوع من المخاطرة.

5- عند تقدير إرباح المصرف في أي عقد من العقود لا بد أن يتلاءم الربح مع درجة المخاطرة مع مراعاة أحوال الناس بحيث لا يكون هناك إجحاف لا في حق الزبائن ولا في حق المصرف.

7- ما دام إن المصرف قد اعتمدت النظام الإسلامي في معاملاتها فلا بد أن ينعكس ذلك بصورة إيجابية على تعاملها مع الناس وعلى واقعها بكل جزئياته حتى يكون الالتزام بأحكام الشرع الحنيف في الأقوال والأعمال.

                                  والله الهادي إلى سواء السبيل       

محبكم

علي بن عبدالعزيز الراجحي

alt1@maktoob.com

 



[1] ص430.

[2] نشرته مكتبة وهبة في طبعته الثانية سنة 1407هـ - 1987م.

[3] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص 1059. 

[4] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص 991.

[5] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص 1003.

[6] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص 1181.

[7] بيع المرابحة د. القرضاوي ص 13.

[8] سورة  المائدة آية 101.

[9] مسلم 2/975  البخاري 6/2658.

[10] مسلم 4/ 1831.

[11] بيع المرابحة د. القرضاوي ص 14-15.

[12] بيع المرابحة د. القرضاوي ص 15-18.

[13] المرابحة للآمر بالشراء د. بكر أبو زيد. مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص978-979.

[14] إعلام الموقعين 4/29.

[15] بيع المرابحة د. القرضاوي ص 18.

[16] سورة البقرة آية 185.

[17] سورة النساء آية  28.

[18] سورة الحج آية 78.

[19] نشرت الطبعة الثانية منه دار النفائس - عمان الأردن سنة 1415-1995.

[20] نشرته مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص965.

[21] نشرته مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص 1127.

[22] بيع المرابحة د. محمد الأشقر ص 7-8.

[23] بيع المرابحة د. محمد الأشقر  ص 8.

 

[24] بيع المرابحة د. محمد الأشقر  ص 8.

[25] رواه أبو داود والبيهقي انظر عون المعبود 9/240 سنن البيهقي 5/316، 44 وقال الحافظ ابن حجر: صححه ابن القطان بعد أن أخرجه من الزهد التلخيص الحبير 3/19 وقال الشيخ الألباني: (وهو حديث صحيح لمجموع طرقه..) السلسلة الصحيحة 1/15.          

[26] بيع المرابحة أحمد ملحم ص 128.

[27] رواه الدارقطني والحاكم.

[28] بيع المرابحة د. رفيق المصري 61.

[29] رواه النسائي والترمذي  والبيهقي انظر صحيح سنن النسائي 3/958 صحيح سنن الترمذي 2/8 سنن البيهقي 5/343 وقال الشيخ الألباني إنه حديث حسن ارواء الغليل 5/149-150.

[30] بيع المرابحة د. رفيق المصري 96-97.

[31] بيع المرابحة للقرضاوي ص 32.

[32] قواعد الوعد الملزمة د. العاني ص 761 مجلة المجمع الفقهي عدد 5 ج 2.

[33] بيع المرابحة أحمد ملحم ص 154- 155 بتصرف.

[34] بيع المرابحة د  القرضاوي ص 100.

[35] بيع المرابحة د القرضاوي ص 115/116.

[36] بيع المرابحة د القرضاوي ص 45.

[37] بيع المرابحة للقرضاوي ص 46-47.

[38] بيع المرابحة أحمد ملحم ص 196.

[39] فتاوى شرعية في الأعمال المصرفية ص 19-20، بنك دبي الإسلامي.

 

[40] فتاوى شرعية في الأعمال المصرفية 32 ـ33.

[41] الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية 1/16.

[42] بيع  المرابحة د. القرضاوي ص 11-12، بيع المرابحة د. الأشقر ص 52.

[43] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 جزء 2 ص1599-1600.

[44] موقع الإسلام (الفتاوى الاقتصادية).

[45] موقع الإسلام (الفتاوى الاقتصادية).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
أبو الحسن الشامي المملكة العربية السعودية 2008/26/12
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين الوعد الملزم من الأمور المهمة التأصيل الشرعي في فقه المعاملات المالية المعاصرة ،خاصة مع تطور المصرفية الإسلامية ، فوجدت قضية الإلزام بالوعد هذه مخرجاً شرعياً سهلاً – حسب زعمهم – فبدلاً من الابتكار في صيغ الاستثمار الشرعية أخذت تحاكي المصرفية الربوية وظهر ما يسمى بأسلمة المصارف ، وأصبحت المرابحة المركبة تشغل الحيز الأكبر من استثمارات المصارف الإسلامية حتى تصل أحياناً إلى 90% من حجم الاستثمارات . فظهر مبدأ التلفيق بين الأقوال الفقهية من مختلف المذاهب، حتى يخرج الباحث برأي يناسب العصر الحالي. ولكنه وقع من حيث لا يشعر في تناقضات أصولية مهمة –فتراه يقول بمفهوم المخالفة تارة على رأي الجمهور ، و في مسألة أخرى لا يقول به على مذهب الحنفية ، بل ترى أحيانا يرجح رأيا في بحث وينقضه في بحث آخر . أهم نقطة في بيع المرابحة هي قضية الوعد والإلزام به ، لذا سنلقي الضوء عليه من خلال النقاط التالية : إن قضية الإلزام بالوعد تدخل في كثير من معاملات المصرفية المعاصرة فهي تدخل في المرابحة المركبة ، والإجارة المنتهية بالتمليك ، والمشاركة المنتهية بالتمليك . ومن الملاحظ على كثير من كتابات المعاصرين في هذا المجال أنها تدافع عن المصرفية الإسلامية وتوجد لها الحلول التي تتفق مع مصالحها ، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الزبون مع أنها الجانب الأقوى في المعاملة . فمن للزبون! ظهرت مسألة الإلزام بالوعد، وأخذ الملفقون يبحثون عن الحيل لجوازها فاستدلوا بأدلة عامة، وعند التحقيق تجدها خارجة محل النزاع، واستدلوا كذلك بأقوال الفقهاء فجاءت في غير موضعها تارة، ومبتورة تارة أخرى على مذهب ( لا تقربوا الصلاة.) ولمعالجة هذه القضية ، أورد النقاط التالية : 1. ما الفرق بين الوعد الملزم وبين العقد ، إذا كانت النتائج واحدة أو ( هناك فروق غير مؤثرة ) ، أليس الأصل في العقود للمعاني وليس للألفاظ والمباني ، فسموه ما شئتم فمعناه العقد بدليل أن الوعد في القانون تترتب عليه آثار العقد كما جاء ذلك في الوسيط للسنهوري حيث قال معلقاً على ذلك : (فالوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين هو إذن بيع تام ، تترتب عليه كل الآثار التي تترتب على البيع ، لأن هذا الوعد ليس إلا بيعاً ابتدائياً ) 2. إذا تبين أن الوعد الملزم عقد جاءت إشكالية بيع ما لا يملك الثابتة من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تبع ما لا تملك ). 3. مصطلح المرابحة مصطلح معروف في الفقه الإسلامي ، وهو نوع من بيوع الأمانة ، والملاحظ أن الذين كتبوا في المرابحة المصرفية يبدأ بالمرابحة الفقهية ويستدل بها على جواز المرابحة المصرفية ، أقول الفرق بينهما شاسع ما بين السماء والأرض ، ولا علاقة بينهما البتة ، والمرابحة الفقهية بريئة من المرابحة المصرفية كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب . بل الاستدلال بالمرابحة الفقهية على المرابحة المصرفية تدليس ، فتأمل ! 4. إن القول بعدم الإلزام بالوعد له مثيل في الشرع وذلك في مسألة خيار المجلس إذ يمكن أن يصدر الإيجاب والقبول بين العاقدين ، ثم يفسخ أحد العاقدين ما لم يتفرقا ، أليس عدم الإلزام قبل الإيجاب والقبول أولى ، ثم على القول بأن الوعد ملزم فأين يكون خيار المجلس في عقد البيع المبني على الوعد الملزم . 5. القول بالإلزام بالوعد يفقد العاقد شرط التراضي عند إبرام العقد إذا رأى العدول ، والتراضي شرط أساس في صحة العقود . 6. استدلال القائلين بالإلزام بقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " حيث أن القول بالإلزام يدفع الضرر عن المصرف ، فجوابه أن القول بالإلزام يوقع الضرر على المتعاقد ، والضرر لا يزال بمثله ، ويقال أيضاً أنه لم تتعين هذه الوسيلة لإزالة الضرر عن المصرف بل هناك وسيلة شرعية وهي خيار الشرط . 7. استدلال القائلين بالإلزام بآيات من كتاب الله تعالى، يجد المتأمل أنها خارجة محل النزاع إذ لا توجد آية تدل على الإلزام بالوعد قضاءً، وكلها في الميثاق الذي أخذه الله على عباده من جهاد وإنفاق في سبيل الله تعالى. 8. الاستدلال بحديث آية المنافق ثلاث لا يصح لأن غاية ما يدل عليه الإثم وليس القضاء عليه ثم إن إخلاف الوعد لا يذم بإطلاق كم وعد بما لم يحل. 9. الاستشهاد بأقوال الفقهاء كقول الإمام الشافعي:( الأم - (ج 3 / ص 39) إذا أرى الرجلُ الرجلَ السعلة فقال اشتر هذه وأربحك فيها كذا فاشتراها الرجل فالشراء جائز والذي قال أربحك فيها بالخيار إن شاء أحدث فيها بيعا وإن شاء تركه) ، والغريب في الأمر أن أحد الباحثين –غفر الله له وتجاوز عنه- عندما نقل كلام الإمام الشافعي توقف عند قوله ( فالشراء جائز ) ولم ينقل اشتراط الشافعي بعدم الإلزام . ويعلّق الدكتور رفيق المصري على هذا النقل المبتور فيقول ) أجل لقد اجتمع إمام العصر ( وسماه د... ) مع الإمام الشافعي على هذه الصورة، غير أن الإمام الشافعي انفرد عنه بحرمتها، وإمام العصر تفرد بحلها، وجعل منها يتيمة الدهر وفريدة العصر. أجل ، لقد ضاقت على إمام العصر سبل الإبداع الدكتوري فرأى أن يغير على صندوق الإمام الشافعي للعمليات المحرمة فيسرق عملية ويجعلها حلالاً ، فالحرام x الحرام = حلال مثلما أن الناقص x الناقص = زائد .! 10-نقل صورة المرابحة المعاصرة غير الإمام الشافعي الإمام محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية ، وابن القيم وغيرهم وكلهم نصوا على عدم الإلزام ، وكأن المسألة أي ( عدم الإلزام ) مقطوع بها عند المتقدمين . 11-كلام المالكية إنما هو بالوعد في التبرعات وذلك كما عرفه ابن عرفة المالكي ( الوعد إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل ). 12-نص المالكية على عدم جواز المرابحة في صورتها المعاصرة بل اعتبروها من بيوع العينة ومن ذلك ما جاء في الموطأ ( الموطأ - رواية يحيى الليثي - (ج 2 / ص 663) -وحدثني مالك أنه بلغه:أن رجلا قال لرجل ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك إلى أجل فسئل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه ). وجاء في المقدمات لابن رشد (التاج والإكليل لمختصر خليل - (ج 7 / ص 87) وَالْعِينَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمَحْظُورَةٌ فَالْجَائِزَةُ أَنْ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ فَيَقُولَ لَهُ: هَلْ عِنْدَك سِلْعَةُ كَذَا أَبْتَاعُهَا مِنْك فَيَقُولَ لَهُ: لَا. فَيَنْقَلِبَ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ مُرَاوَضَةٍ وَلَا مُوَاعَدَةٍ فَيَشْتَرِيَ تِلْكَ السِّلْعَةَ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا ، ثُمَّ يَلْقَاهُ فَيُخْبِرَهُ أَنَّهُ قَدْ اشْتَرَى السِّلْعَةَ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا فَيَبِيعَهَا بِمَا شَاءَ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً ( وَلَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ وَكُرِهَ خُذْ بِمِائَةٍ مَا بِثَمَانِينَ ) عِيَاضٌ : كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ لَا يَحِلُّ أَنْ أُعْطِيَك ثَمَانِينَ فِي مِائَةٍ وَلَكِنَّ هَذِهِ سِلْعَةٌ قِيمَتُهَا ثَمَانُونَ خُذْهَا بِمِائَةٍ لِأَجَلٍ ( أَوْ اشْتَرِهَا وَيُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ وَلَمْ يُفْسَخْ ) ابْنُ رُشْدٍ : الْمَكْرُوهُ مِنْ أَوْجُهِ الْعِينَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ : اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا فَأَنَا أُرْبِحُك فِيهَا وَأَشْتَرِيهَا مِنْك مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاوِضَهُ عَلَى الرِّبْحِ عِيَاضٌ : وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَلَا أَبْلُغُ بِهِ الْفَسْخَ . وَسَمِعَ يَحْيَى إنْ قَالَ: اشْتَرَى مِنِّي عَبْدَ فُلَانٍ بِسِتِّينَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَبِيعَهُ مِنِّي بِخَمْسِينَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يُفْسَخُ. ابْنُ رُشْدٍ : نَقْدًا إنْ كَانَتْ الْبَيْعَتَانِ مَعًا بِالنَّقْدِ ( بِخِلَافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ ) ابْنُ رُشْدٍ : إنْ قَالَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ ، فَإِنْ وَقَعَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ : إنَّ الْآمِرَ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ ضَامِنًا لَهَا لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ الْآمِرُ ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا بَعْدَ شِرَاءِ الْمَأْمُورِ التاج كَانَ ذَلِكَ لَهُ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً وَتُرَدُّ إلَى الْمَأْمُورِ ، فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَى قِيمَتِهَا مُعَجَّلَةً يَوْمَ قَبَضَهَا الْآمِرُ كَمَا يُصْنَعُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى مُوَاطَأَةٍ بِبَيْعِهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا لِلْمَأْمُورِ فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك ( وَلَزِمَتْ الْآمِرَ إنْ قَالَ لِي ) ابْنُ رُشْدٍ : فَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ فَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ رَجُلٌ زَادَ فِي سَلَفِهِ فَإِنْ وَقَعَ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ لِلْآمِرِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ لَهُ وَيَكُونُ لِلْمَأْمُورِ جُعْلُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ فِي قَوْلٍ وَالْأَقَلَّ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ وَالدِّينَارَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْبَى لَهُ بِهِمَا فِي قَوْلٍ ( وَفِي الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَقُلْ لِي إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إمْضَاؤُهَا وَلُزُومُهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَوْلَانِ ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَى قِيمَتِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْآمِرَ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِاثْنَيْ عَشَرَ . 13-لماذا لم ينقل القائلون بالإلزام قول المالكية بعدم جواز المرابحة بصورتها الراهنة ، أليس قولهم بالتنصيص عليها أقوى من تخريج المسألة على قضية الإلزام بالوعد عندهم . 14-تخريج المسألة على قول المالكية بالإلزام بالوعد وتطبيقها على المرابحة المصرفية ، تأباه أصول المالكية إذ أن من أصولهم التوسع في مبدأ سد الذرائع خاصة فيما يسمى عندهم ببيوع الآجال ، إذ أنهم منعوا بيوعا كثيرة بحجة التهمة ، بل كرهوا أن يكون بيع الرجل كله أو أغلبه بالأجل ، أليس تخريج المسألة على مبدأ المالكية في تضييق بيوع الآجال أولى من تخريجها على مسألة الوعد الملزم المزعوم . 15-يقول د رفيق المصري : ( من ذهب من العلماء إلى أن الوعد في المعاوضات الوفاء به أولى وأوجب من التبرعات فمذهبه عجيب جداً فإنه يقلب الفقه والأصول وأحكام الوعد والغرر رأساً على عقب وبجرأة عجيبة . ) ويقول : ( الوعد الملزم –أيها السادة العلماء-أكبر كارثة فقهية في هذا العصر فإذا كنتم ترون أن استحلال ربا الإنتاج كارثة والتأمين التجاري كارثة فالوعد الملزم أعظم إذ به يستحلون بالتدريج ما شاءوا من محرمات ) مجلة المجمع الفقهي 10/3/31 . 16-إن تحمل المصرف مخاطرة نكول الزبون يجب أن تكون كأي مخاطرة يتحملها التاجر، فالتجارة محفوفة بكثير من المخاطر فلماذا لا تكون هذه أحدها . 17-هناك وسيلة شرعية بديلة عن الوعد الملزم وهي البيع بشرط الخيار وذلك عندما يشتري المصرف السلعة يشترط على التاجر شرط خيار بفسخ البيع خلال مدة معينة فإذا لم يتم عقد البيع الثاني ، فإن المصرف يرجع السلعة إلى بائعها الأول ، ( شرط الخيار لا يمنع من التملك على الراجح ) . وفي الختام أقول إن القول بالإلزام بالوعد قول خطير جداً لأنه حيلة ربوية باسم الفقه الإسلامي هذا ما تيسر إعداده وتهيأ بيانه ، والله تعالى أعلم وأحكم أبو الحسن الشامي
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
باحثة: شعارات العنف ضد النساء انبعثت من دول تدعو للإباحية
د. نوال الغنام:اتفاقية العنف ضد المرأة أخذت اسماً ووصفاً مخادعاً، يحمل في طياته دعوة للانحلال، وتفكك الأسرة
د. الفوزان : إتباع محاسن الأخلاق يقود المسلم إلى التقوى
وأضاف فضيلته أن إتباع محاسن الأخلاق يقود المسلم إلى التقوى....
فقيه :القدر المباح للخاطب رؤيته من المخطوبة الوجه والكفان
الخِطبة هي الفترة التأسيسية المهمة للحياة الزوجية
بحث في بيع المرابحة (1-2)
بدأت المصارف الإسلامية مسيرتها منذ عهد قريب في طريق عقباته كثيرة ومصاعبه ليست قليلة وقد حاول العلماء المعاصرون إيجاد سبل لاستثمار الأموال بطرق مشروعة..
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م