الفحص الطبي قبل الزواج بين الطب والفقه
|
د.محمد بن يحيى بن حسن النجيمي
أضيف فى 1430/12/19 الموافق 2009/12/06 - 12:00 ص

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلَه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد:

فإن الإسلام الذي رضيه الله للناس دينًا تشريع كامل تناول كل جوانب الحياة، وخلص العقيدة مما اختلط بها من شوائب الوثنية، وطهر النفوس، مما لوثها من رذائل الجاهلية، ونظم علاقة الإنسان بخالقه، والناس بعضهم ببعض أفرادًا وجماعات، وبنى هذا التنظيم على أسس سليمة متينة لا تضعف ولا تتزعزع مهما طال الزمن، فيه من المرونة ما يجعله محققًا مصالح الناس وحاجاتهم مهما تطورت الحياة وتجددت.

ولما كان من أهدافه الأصلية بناء مجتمع سليم يعيش فيه الناس سعداء فقد عنى الإسلام بشؤون الأسرة، وحرص على أدائها لوظائفها في بناء الفرد المسلم، وأكد قيام العلاقات على أسس من التكافل والرحمة والمودة.

ومع أن موضوعات الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامي وردت مفصلة؛ لأن معظمها مبني على مصلحة ثابتة لا تتغير، إلا أن نصوص الشريعة على كثرتها لم تفصل كل الأحكام، شأن التشريع الإسلامي بوجه عام، فيدخل الاجتهاد المشروع لاستنباط الأحكام لما يجد من الأمور، لذا فإن الفقهاء اجتهدوا في مسائل الأحوال الشخصية، وعالجوا المستجدات والمشكلات التي واجهت مجتمعاتهم معتمدين على فهمهم لروح النص ومقاصد الشريعة، ولم يجمدوا عند ظواهر النصوص. ومن المسائل التي استجدت في هذا المجال مسألة الفحص الطبي قبل الزواج، الذي أصبح حديث الساعة، وحاولت كثير من قوانين الأحوال الشخصية أن تلزم به ولكنها لم تفلح لسببين رئيسين:

·        الأول: عدم قناعة جمهور الناس بأهميته.

·        الثاني: تحرج كثير من الفقهاء من القول بالوجوب والإلزام.

ولهذين السببين وغيرهما أحببت أن أدلي بدلوي في هذه النازلة، وأن أتناولها من الجانب الطبي والفقهي، فسميت بحثي المتواضع ب"الفحص الطبي قبل الزواج بين الطب والفقه".

وقد جعلته في أربعة مباحث كما يلي:

المبحث الأول: الفحص الطبي قبل الزواج من منظور جيني "وراثي"، ويشتمل على ستة مطالب:

المطلب الأول: تعريف الجين وتركيبه والأنواع المختلفة للجينات.

المطلب الثاني: مشروع الجينوم البشري.

المطلب الثالث: جين الأنيميا المنجلية.

المطلب الرابع: الأمراض الوراثية المنتقلة عبر جين واحد.

المطلب الخامس: الفحوص الطبية الجينية للأمراض الوراثية السارية.

     المطلب السادس: الفحوصات الطبية الجينية للأمراض الوراثية غير السارية.

المبحث الثاني: فوائد الفحص الطبي قبل الزواج ومثالبه ويشتمل على مطلبين:

المطلب الأول: فوائد الفحص الطبي قبل الزواج.

المطلب الثاني: مثالب الفحص الطبي قبل الزواج.

المبحث الثالث: الفحص الطبي قبل الزواج من منظور إسلامي، ويشتمل على أربعة مطالب:

المطلب الأول: الفحص الطبي قبل الزواج من الأمراض المعدية.

المطلب الثاني: الفحص الطبي قبل الزواج من العيوب الموجبة للتفريق.

المطلب الثالث: الفحص الطبي قبل الزواج من الأمراض السارية.

المطلب الرابع: الفحص الطبي قبل الزواج من الأمراض الوراثية.

المبحث الرابع: الفحص الطبي قبل الزواج في قوانين الأحوال الشخصية العربية.

وفي الختام أسأل الله التوفيق والسداد، وأن ينفع بهذا البحث عامة المسلمين، والله أعلم وأعلى.

 

ملخص البحث ونتائجه

·        الجين هو قطعة من الدنا تحوي كل المعلومات لتكوين سلسلة من الأحماض الأمينية أو جزء من البروتين.

·   يعتقد الباحثون أن عدد الجينات (البنيويه) تتراوح ما بين 30 و40 ألفًا، وكل هذه الجينات موجودة في كل خلية من خلايا الجسم، ولكن الذي يعمل منها عدد محدود في كل خلية حسب حاجة هذه الخلية وتركيبها.

·   سعى العلماء لمعرفة الجينوم البشري بكامله، وهذا المشروع باهظ التكاليف؛ لذا تعاونت فيه الدول الكبرى الغنية، وقد تم قطع شوط كبير في هذا المضمار، وقد ساعد على ذلك توافر التقنيات الحديثة ورصد المبالغ الضخمة، وتم الانتهاء من هذا المشروع بإذن الله في عام 2005م.

·   هناك أمراض سارية منتشرة في عرقية معينة أو بلد معين، ومثلاً نجد أن جين الأنيميا المنجلية منتشر لدى الأصول الإفريقية، بينما نجد أن جين الثلاسيميا منتشر لدى سكان حوض البحر الأبيض المتوسط كاليونان والدول العربية، وتتراوح نسبة حاملي الجين في هذه البلاد ما بين 2 إلى 16% من مجموع السكان، بينما تصل نسبة الأنيميا المنجلية إلى 25% من مجموع السكان في بعض المناطق.

·   هناك العديد من الأمراض الوراثية التي تنتقل عبر جين واحد منتقل من أحد الأبوين أو كليهما، أو أن هناك طفرة (من دون وراثة) حدثت في تركيب هذا الجين حتى تحول من الوضع السليم إلى الوضع المعيب، وهذه الطفرات الوراثية كثيرة الحدوث، إلا أن الجسم بإذن الله لديه آلية لإصلاح مثل هذه الطفرات، وأن من أهم العوامل التي تسبب هذه الطفرات التعرض للأشعة وبعض السموم والعقاقير وتلوث البيئة وغيرها.

·   إذا أراد المصابون بالأمراض السارية مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية الزواج فإنه ينبغي للطبيب أن يوضح لهم البدائل الممكنة، ومنها عدم الإنجاب أو القيام بفحص نتيجة الحمل في مراحل معلومة ومعروفة لدى أهل الاختصاص.

·        هناك فوائد مهمة للفحص قبل الزواج من أهمها:

1- يعرف المقدمون على الزواج بعض الأمراض الوراثية الشائعة في المجتمع، مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، فإما أن ل يتم الزواج وهو الأولى، وإما أن يتم ولكن بدون إنجاب، أو يفحص الحمل في مراحل معروفة عند أهل الاختصاص.

2- يحل كثير من الإشكالات التي تقع عادة بعد الزواج حين يكتشف أحد من الزوجين أن صاحبه كان مغررًا به؛ لأنه اقترن بزوج مريض، وما يترتب على ذلك من طلاق وتشريد للأولاد.

3- ضمان عدم تضرر صحة كل من الخاطبين نتيجة معاشرة الآخر جنسيًا أو حياتيًا، والتأكد من سلامتهما من الأمراض المعدية والوبائية.

·        للفحص الطبي قبل الزواج سلبيات كثيرة من أهمها:

1-   إيهام الناس أن إجراء الفحص سيقيهم من الأمراض الوراثية، وهذا غير صحيح.

2- أن السرية وعدم كشف النتائج لا يلتزم به الناس في كثير من الحالات، فتحدث تسريبات لهذه الأسرار يضار أصحابها، وخاصة في البلاد التي فيها شركات التأمين الصحي.

3-   هذه الفحوصات تزيد من إحجام الشباب وعزوفهم عن الزواج بسبب كلفة الفحص الطبي خاصة في الأمراض الوراثية.

4-   لا توجد عيادات للاستشارة الوراثية في معظم دول العالم الثالث، أضف إلى ذلك المعدات الطبية المتهالكة.

·        الأمراض التي يتم الفحص منها تنقسم إلى أربعة أقسام:

أ - الأمراض المعدية مثل الإيدز والزهري والسيلان... إلخ.

ب- العيوب الموجبة للتفريق بين الزوجين، سواء أكانت مشتركة بينهما أم خاصة بكل منهما.

ج- الأمراض السارية مثل مرض الثلاسيميا والأنيميا المنجلية.

            د- الأمراض الوراثية، وهي كثيرة تقدر بأكثر من 8000 مرض.

·   يجب الفحص من الأمراض المعدية وذلك لأن فيها ضررًا، والقاعدة الشرعية تقول لا ضرر ولا ضرار، كما أن المصلحة الشرعية بضوابطها المعروفة تنطبق على الأمراض المعدية، ثم إن الفحص منها سهل وغير مكلف ماديًا، ولولي الأمر أن يلزم بالفحص منها؛ لأن طاعته واجبة إذا كانت في طاعة، فبأي طريق استخرج بهذا العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له.

·   العيوب الموجبة للتفريق بين الزوجين مبسوطة في كتب الفقهاء، والفحص منها سهل وميسور، وبما أن عقد النكاح من العقود المدنية التي يدخلها خيار العيب -وإن اختلف الفقهاء في تحديد هذه العيوب التي يفسخ بها العقد- فإن الراجح أن كل عيب يؤدي إلى النفرة أو يمنع كمال الاستمتاع أو يمنع من الاتصال الجنسي فإنه عيب يفسخ له النكاح، وقد ذهب جماعة من الفقهاء بعدم حصر العيوب، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، وابن القيم في زاد المعاد، وأبوالبقاء العكبري الحنبلي، ومثل هؤلاء الإمام محمد بن الحسن الشيباني كما في المبسوط والبدائع، وابن حزم في المحلى، ونقله عن جماعة من التابعين، وحتى الذين قالوا بحصرها قد عللوا بتعليلات يمكن القياس عليها، مما يدل على أن من الواجب على الخاطبين معرفة عيوب كل منهما حتى لا يحدث الفسخ، وما ينبني عليه من إشكالات مادية ونفسية وإنسانية، ومن ثم فإن الفحص الطبي قبل الزواج من هذه العيوب واجب من وجهة نظري ولولي الأمر أن يلزم المقدمين على الزواج بالفحص من هذه العيوب، وهذا من باب السياسة الشرعية العادلة.

·   الفحص الطبي قبل الزواج من الأمراض السارية واجب، وذلك لأسباب كثيرة من أبرزها أن تحليل الدم والرحلان الكهربائي يكشفان حامل هذه الأمراض السارية، وتكلفتهما محدودة، كما أن عدد حاملي هذه الأمراض السارية مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية كثيرون في المجتمع، والمملكة العربية السعودية تحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد المصابين بالثلاسيميا والأنيميا المنجلية بعد قبرص وباكستان، وبلغ عدد حاملي هذا المرض مليونًا ونصف المليون مصاب، والعلاج مرهق وباهظ جدًا؛ ففي سن الطفولة تكون التكلفة حوالي 2600 دولار كل عام، والبالغ تكلفته 10500 دولار سنوياً، ومن المعلوم أن الدول التي طبقت فحص الأمراض السارية قبل الزواج، مثل اليونان وقبرص وكثير من الدول الأوربية انخفضت نسبة المصابين فيها انخفاضًا كبيرًا.

·   فلولي الأمر أن يجبر عموم الناس على الفحص من الأمراض السارية، وذلك لأن ضررها عظيم والقاعدة الشرعية تقول: الضرر يزال.

·        الفحص الطبي قبل الزواج من الأمراض الوراثية لا يجب ولا يجوز لولي الأمر أن يلزم به، وذلك لما يلي:

أ - أن كثيرًا من مفاهيم الجينوم البشري وحقائقه غير واضحة.

ب- أن نتائج الفحوصات الجينية ليست قطعية.

ج- أن كثيرًا من الأمراض الوراثية لا تنتج بسبب الوراثة من الوالدين دائمًا بل بسبب عوامل أخرى مثل الطفرات الجينية وغيرها، والقاعدة الشرعية تقول: المشقة تجلب التيسير، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والفحص من الأمراض الوراثية فيه مصلحة، وفيه مفسدة، ولكن مفاسده غالبة على مصالحه فأصبح غير واجب.

·   كثير من قوانين الأحوال الشخصية العربية لم توجب الفحص إلا من أمراض محدودة ليس منها الأمراض السارية بالذات، وذلك واضح في قانون الأحوال الشخصية العراقي والسوري والمصري والمغربي والإماراتي والكويتي، إلا أن هناك مشروعًا للأحوال الشخصية بدولة الإمارات العربية المتحدة لسنة 2003م نص في المادة السابعة والعشرين-فقرة (2) على أنه يشترط لتوثيق عقد الزواج تقديم تقرير من لجنة طبية مختصة، تفيد الخلو من الأمراض التي نص القانون على جواز التفريق بسببها، وإذا راجعنا المواد (112، 113، 114) وجدنا أن المشروع لم يحدد عددًا معينًا من الأمراض، بل ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر، وحدد صفات يجوز أن تتخذ قياسًا على الأمراض السارية والمعدية التي يخشى انتقالها للغير.

·   أما في المملكة العربية السعودية فليس هناك إلزام بالفحص قبل الزواج من الأمراض المعدية والوراثية وغيرها، وإنما هناك تشجيع لمن يرغب في الفحص قبل الزواج، وتشديد على السرية التامة، ولعل مجلس الوزراء في المستقبل يلزم بالفحص من الأمراض المعدية والسارية، أما المعدية فلخطورتها، وأما السارية كالثلاسيميا والأنيميا المنجلية فلأن المملكة تعد في المرتبة الثالثة بعد قبرص وباكستان من حيث انتشار هذين المرضين الساريين.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
رغم الاتفاق.. مسلمو الروهينغا يواصلون الفرار إلى بنغلاديش
يواصل مسلمو الروهينغا الفرار من ميانمار إلى بنغلاديش، وذلك رغم إعلان الدولتين البدء في إعادة اللاجئين إلى بلادهم، الأسبوع المقبل، وفق مسؤول بنغالي.
النائب العام السعودي يوجه بالقبض على شاب تحرش بفتاة «لفظياً»
وجه الشيخ سعود المعجب النائب العام السعودي، الجهات الأمنية، القاء القبض على شاب تحرش "لفظياً" بفتاة في أحد الاماكن العامة في المدينة المنورة.
رئيس هيئة مقاومة الاستيطان بفلسطين يدعو الأمة إلى دعم أهل المقدس
أكد الوزير وليد العساف، رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بفلسطين، أن تغيير هوية مدينة القدس الشرقية تطلب من الكيان الصهيوني سلسلة من الإجراءات والقوانين ضد المدينة؛ من ضمنها اتباع سياسات اقتصادية واجتماعية طاردة للفلسطينيين العرب وتشجيع إحلال اليهود مكانهم، والسيطرة على المسجد الأقصى وتقاسمه مؤقتًا زمانيًّا ومكانيًّا، وسن قوانين وفتاوى لصالح اليهود؛ لتثبيت الرواية اليهودية التاريخية والدينية المزورة والمتناقضة مع الواقع والتاريخ.
البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي 2-3
المبحث الرابع:محاربة الإسلام للتلوث البيئي مع بيان أهم ما وضع من أحكام لتحقيق ذلك
شروط التلقيح الصناعي الداخلي بين الزوجين
التلقيح الصناعي الداخلي بين الزوجين جائز شرعاً من حيث المبدأبشروط
فوائد الفحص الطبي قبل الزواج
الفحص الطبي قبل الزواج في باب الأمراض الوراثية
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م