أنقِذوني من طُوفان غضبي

رسالة الإسلام - قسم الاستشارات اضيف فى 2017/07/15

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد،
فقد وردت إلينا الرِّسالة التَّالية، من قارئ رمز لنفسه برمز "أسير الغضب":
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أكتب إليكم والقلق ينتابني بسبب آفة، أخشى أن تتسبب في تدمير مستقبلي وحياتي، وهي الغضب، فإني أغضب في أحوالٍ كثيرة، وخاصة عندما أشعر بأن الطرف الآخر لا يحترمني، أو يخطئ في حقي، فأثور وأفقد التحكم في لساني ويدَيَّ، فأرجوكم ساعدوني على التخلص من هذه الآفة، فقد عانيتُ منها كثيراً.

ونقول: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بك أخي في رحاب قسم الاستشارات برسالة الإسلام، رجاء أن تجد لدينا ما ترومه بإذن الله من نصح وإرشاد ومساندة.

مشكلتك هي نفسُ مشكلة الرجل الذي أتى للرّسول صلى الله عليه وسلم، واستوصاه قائلاً: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ، وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى)1 ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَغْضَبْ»، ولم يقنع الرجل بهذه الوصيّة، فاستزاده، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تغضب)، واستزاده فأعاد عليه الرَّسول نفس الجواب.

واعلم أخي أنّ الغضبَ طاقةٌ فطريّة إيجابيَّة، وهو إحدى القوّتين اللتين تتكوّن منهما النفس الإنسانيّة، أي الغضب والشهوة، فبقوة الشهوة يجذب الإنسانُ ما يريده، وبقوة الغضبِ يدفع الإنسانُ الأشياء التي يرى أنّها تضرُّه، وبالتالي فإنّ الغضب في حدّ ذاته، لا ضيرَ فيه، بل فيه كلُّ الخير، إذا وُضع في مواضعه، أي في المواضع التي تستحقّ أن يُغضب فيها، فمن يغضبُ عند انتهاك حرمات الله عزّ وجلّ، أو لحفظ شرفه وكرامته هو، فلا تثريب عليه، بل ذلك غضبٌ واجب.

أمّا من يغضب لضياع عَرَضٍ أو متاعٍ دنيويٍّ فانٍ، أو يغضب لأنّ أحدهم قد سخر منه، ولم يُوفِّه ما يراه مستحقاً له من احترام، فهذا ممّا ينبغي للمرء أن يترفّع عنه، فلا يبذلُ هذه الطاقة الإيجابيّة، إلا في عملٍ يكون خيراً.

إذن، أول ما ينبغي لك أن تجتهد فيه، لكي تستطيع توظيف غضبك لتحقيق ما تريده، هو أن تُزكّي نفسك، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، فالنّفس الزّكيّة، التي تشرّبت من معينِ ذكر الله تعالى، ومن رحيق عبوديته، والقيام بين يديه في الصّلاة، يكونُ من طبعها التّلقائيّ أن لا تغضبَ إلا لأمرٍ يستحقّ الغضب، ولا تُبالي أن ينالها النّقد والأذى من الآخرين، ما دامت هي مستعصمةً بالله عز وجلّ، بل يكون نقدُ الآخَرين لها دافعاً للمراجعة ومحاسبة النَّفس.

أمّا النَّفسُ التي لم تزكُ بالذكر والعبوديَّة، فإنها تكون انفعاليّةً سريعة الغضب، في أتفه الأمور.

والغضبُ من لوازمه المسارعةُ، ولذا فانتبِه يا أخي: إنّ من أكثر أدوية الغضب فائدةً: أن تصبرَ نفسك المتعجّلة إلى متاع الحياة الدنيا، فلا تنصرف من مُصلاك بعد أداء صلاة الفريضةِ، إلا بعد أن تستكمل الذكر الوارد في أدبار الصّلوات.

ويا حبّذا، إذا خصّصت جزءاً من وقتك بعد الصّلاةِ، للتّفكّر في هذه الخصلة، أي خصلة الغضب الذي لا مبرّر له، وما يجرُّه عليك من المواقف المحرجة، والأثر السّلبيّ الكبير الذي يؤثر به على مستقبلك، لأنّ تحقيق مصالحك الدنيوية في الغالب رهنٌ بالتعامل مع الذي هم من حولك، فالمسارعة إلى الغضبِ تجعل بينك وبينهم حاجزاً نفسيّاً، ومن ثمّ يكونون عقبةً في طريقك، أما حسن الخلق واللطف في المعاملة، فإنه يوشك أن يقودك إلى مستقبلٍ وضيءٍ بإذن الله تعالى.

فخصّص بعض الثواني عقيب الصلاة، للتفكر في الآثار السلبية لهذه الخصلة، وادعُ الله عز وجلّ أن يُحسّن خُلقك، ويغفر لك ذنوبك التي ارتكبتها بسببها، ويُزيِّن أخلاقك بخُلق الحِلم.

هذا يا أخي هو الإكسير في مواجهة نوازع الغضب، أي تزكيةُ النفس، والمواظبة على الأذكار في دبر كلّ صلاةٍ، وتخصيص وقتٍ فيها لتهيئة نفسك حتى تكون واسع الصَّدر والأفق، متذكّراً قول الشاعر الحكيم:

لاَ يَحْمِلُ الْحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ ... وَلاَ يَنَالُ الْعُلاَ مَنْ طَبْعُهُ الْغَضَبُ

ومن أجل ذلك، يلزمك أن تتعرّف على بعض المعلومات المتعلقة بالغضب، أي: أسبابُ حدوثه، حتى تتجنّبها، وأسباب منعه وتخفيفه حتى تتّبعها، وأن تعرف مواطن الغضب المحمود حتى تلتزمها.

فمن أجل هذا الغرض، أدعوك إلى قراءة رسالةٍ لطيفةٍ في هذا الباب، عنوانها "لا تغضب"، للشيخ أبو أحمد، محمد بن أحمد بن محمد العماري، والذي ستجده على هذا الرابط:

http://shamela.ws/browse.php/book-36442/page-2

 

1- روايةٌ في الموطأ.

الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )
الدولة  
 
لا توجد تعليقات
العفو الدولية: مسلمو الروهيتجا يتعرضون للفصل العنصري من حكومة ميانمار
ذكرت منظمة العفو الدولية "امنستي إنترناشونال" أن مسلمي الروهينجا في ميانمار، تعرضوا -على مدار وقت طويل- لتميز، يرقى إلى حد الفصل العنصري.
علي جمعة: مدد يا رسول الله أو يا حسين لا تكفر صاحبها
أجاب علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية السابق، عن سؤال هل كلمة مدد التي يذكرها المحبون والصوفية ...
أ. د. الفنيسان: أشد الناس ندماً المضيّعون لأوقاتهم ولو دخلوا الجنة
حذر فضيلة الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض سابقا، من خطورة تضييع الأوقات، مشيرًا أن المسلم سيسأل عنها يوم القيامة، قائلا في تدوينة له على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إن أشد الناس ندماً المضيّعون لأوقاتهم، ولو دخلوا الجنة، فبين الدرجة والدرجة قراءة آية( إقرأ وارتق) وبين الدرجتين بالعلو مسيرة خمسمائة عام.!!
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م