قد كاد أن ينفرطَ عِقدُ نظام حياتي

رسالة الإسلام - قسم الاستشارات اضيف فى 2017/03/30

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعدُ، فقد وردت إلينا الاستشارةُ التّالية:

(السّلام عليكم،

وبعد،

أنا رجل في العقد الخامس من عمري، مرت بي بعض الظروف المادّية الصعبة، وتمكنت بفضل الله عزّ وجلّ من اجتيازها، لكني أصبحت أشعر بالنسيان وعدم القدرة على التركيز، وسوء تخطيط أعمالي وواجباتي المختلفة، وصار زملائي في العمل يسخرون من نسياني لبعض الأمور المهمّة، ممّا ضاعف شعوري بالحاجة إلى المساعدة، وبأنّ أمري قد صار فُرطاً، فكيف أتجاوز هذه الحالة؟).

وعليكم السلام، أخي، ومرحباً بك في نافذة الاستشارات بالملتقى الفقهيّ، آملين أن تجد لدينا ما ترومُه من النُّصح والمساعدة.

وبدءاً نسوق إليك البشرى، فإنّ شعورَ الإنسان بوجود المشكلة –كيفما كانت- يعني أنّه في الطريق إلى حلِّها بفضل الله عزّ وجلّ.

وهذه المشكلة التي تعاني منها، هي من مشكلات هذا العصر، الذي تميّزت فيه الحياةُ بإيقاعٍ سريع، لا يكاد يُجاريهِ، ويؤدّي كلّ واجباتِه فيه، إلا القليلون، فهناك من انشغل بعمله، ونسي صلة الرَّحم والقرابة، وهناك من تذكّرها ووصلها على حساب عمله، وهناك من أدّاهما جميعاً على حساب صحّته، فأرهق نفسه، وكبّدها من المشقّة، وهكذا لا يكاد يسلم أحد، من أن يغمره طُوفانِ الحياة المعاصرة وإيقاعُها السريع، إلا من وفّقه الله تعالى.

إنّ مشكلتك يا عزيزي تتمثل في هذا السؤال البسيط:

كيف أبسُط سلطان وعيي وعقلي وإرادتي على حياتي؟ كيف أتمكن من مواجهة طُوفان الحياة المعاصرة بإيقاعه السّريع، وأتمكن من اقتناص الأوقات الكافية منه، لأداء أعمالي الواجبة، بكلّ فعاليّة، وبدون إهدار للوقتِ أو الطّاقة أو المال؟

نعم، يا أخي، قد تقدّم بك العمر، ولكن ليست هذه مشكلةً حقيقيّة، بل هذا ممّا ينبغي أن يدفعك إلى النّهوض من أجل أداء ما أوجبه الله عليك من الواجبات في هذه الحياة، قبل أن تغرب شمسُها!

إنّ أوّل ما يتوجّب على من أراد تجاوز ضغوط الحياة المعاصرة، أن يقف مع نفسه وقفةً، يتذكّر فيها أنّ هذه الضغوط بمختلف ألوانها، هي أقدار الله تعالى، ليبتلي بها الإنسان، وعندئذٍ فلينتبه إلى هذه الحقيقة: أنّ الله تعالى لم يُقَدِّر على الإنسان هذا الابتلاء، إلا لكي يُزوّده بالقدرة الكافية على مواجهته، إذن منذ هذه اللحظة عليك أن تعتقد بأنّ هذه الضغوط بمختلف ألوانها هي كائناتٌ صديقةٌ لك، وليست عدُوّةً إلا لمن لا يعرفُ حقيقتها، ولا يُدرك نسبَها الإلهيّ، ومن ثَمّ لا يُحسن التعامل معها.

إذن، فلتملأ جوانح نفسك، بشعورٍ غامرٍ، لأنّك تعيشُ في كونٍ جميل، خلقه الله تعالى بتنسيقٍ واتّساقٍ، ودقّةٍ وانتظام، ولكي تحقّق فيه مراداتك، فينبغي أن تعمل على تنظيم ذاتك، حتّى تُجاريَ هذا الواقع المحيط بك، هذا أول ما ينبغي أن تُقرّره في وعيك.

وثاني ما ينبغي أن تقرّره في وعيك: أنّ الله عزّ وجلّ، قد قسم وقت المؤمن إلى خمس فتراتٍ تمتدّ ما بين أوقات الصلوات الخمس: الفجرُ، الظهرُ، العصرُ، المغربُ، العشاء، وكلّ فترةٍ من هذه الفترات، تتميّزُ بميزةٍ معيّنة، وكلُّ فترةٍ من هذه الفترات الخمس، هي بمثابة الوعاء للأحداث العديدة التي تمرّ بك، فلتضع كلَّ حدثٍ في وعائه المناسب.

وضمن هذه الفترات الخمس، يتوزّع الوقتُ ما بين ساعات عملٍ ونشاط، وساعات راحةٍ ونوم، وكلّما كنت قريباً من سُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتنام في أوقات النوم، وتجتهد في أوقات السَّعي، كلّما كنت أكثر قدرةً على التّلاؤم والتفاعل الجميل مع ضغوط الحياة المعاصرة، فتُواجهها بوجهٍ طلقٍ، وصدرٍ رحبٍ يسع بفضل الله عزّ وجلّ كلّ ما فيها.

وأوقات النوم الواردة في السُّنّة: نومُ الليل، (بعد صلاة العشاء)، نومة القيلولة أو استرخاءتُها (ما بين صلاتي الظهر والعصر)، واجتهد أن لا تنامَ بعد صلاة الفجر حتى تُشرق الشمس، ولا بعد العصر، ولا بين المغرب والعشاء.

إنّ الله عزّ وجلّ، قد جعل وقت صلاة الفجر، قاعدة ينبني عليها اليوم كلّه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلعَ الشمسُ، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجةٍ وعمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامة))1، ففي هذا الوقتِ، أنت تتزوَّد بالطاقة اللازمة لأداء أعمالك في اليوم كلّه بكفاءةٍ تامّة، وتوفيقٍ من الله تعالى.

وجُعِل الوقتُ ما بين صلاتي الظهر والعصر، وقتاً للراحة والاستجمام، وتمهيداً لكي تبدأ فترة نشاطٍ متجدّدة بعد صلاة العصر، وما يعقبها من أذكار الصباح والمساء، وتمتدُّ هذه الفترة عموماً إلى صلاة العشاء.

حاوِل بقدر الإمكان، أن تصُبَّ نشاطاتك وأعمالك، في هذا القالب المستفاد من سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إذا كانت قد تقرّرت في نفسك المعاني والقيم أعلاه، فقد آن لك أن تتعرّف على بعض الأعمال التي تُعينك بإذن الله تعالى، على تجسيد معاني النظام والتنسيق والاتّساق، حتى تكون واقعاً ملموساً في حياتك:

فأوّل ما ينبغي عليك أن تقوم به، في سبيل تنظيم ذاتك وحياتك:

- أن لا تعتمد في تسيير أمورك وقضاء حاجاتك على مجرّد الذّاكرة، والتفكير العفويّ، بل: اسعَ إلى أن تبسط سلطان  وعيك وعقلك، فلا تخطُ خطوةً إلا وقد سبق لك أن سجّلتها في مفكّرتك.

- إذن اصطنع مفكّرةً مذكرةً، سواءٌ كانت ورقيّةً، أو جداريّةً أو إلكترونيّة، مثل المفكرة المرتبطة مع التقويم في الهواتف الذكيّة: فمن المناسب أن تكون عندك مذكرةٌ، عبارة عن ورقةٍ واحدةٍ صغيرةٍ مُقوّاة، تسجل فيها برنامجك اليوميّ كاملاً، فيه كلّ المهمات المطلوبة والمتوقعة، وإضافةً إلى ذلك لن تستغني عن ورقاتٍ تثبّتها في الجدار أو على مكتبك، لتذكيرك ببعض الأعمال المحددة، ثمّ اضبط الجرس في هاتفك الذكيّ، ليذكرك بالمواعيد المهمَّة، وعندئذٍ يكون بإمكانك أن تسيطر على نفسك، لدى المواقف المفاجئة، والظروف الطارئة.

إذن، أنت الآن تعيشٌ في عالمٍ خُلق كلُّ شيءٍ فيه بحُسبان، فلتشعر بالسّعادة تغمر أرجاء نفسك، خاصّةً وأنّك تحاول أن تُجاري هذا العالم، وتتفاعل مع قيم النظام والتّنسيق والاتّساق المكنونة فيه، حيث إنّك الآنَ تنظر إلى أمورك بجدّية أكثر، معتمداً في ذلك على سابق التّفكير والتخطيط، وعلى الكتابة والتوثيق.

خلاصة القول، أخي العزيز، لكي تبسُط وعيك –بإذن الله وتوفيقه- على حياتك، وتستطيع التّحكُّم –بفضل الله عزّ وجلّ- في أمورك ومهمّاتك، فههنا ثلاثة أمور:

-أمرٌ إيمانيٌّ اعتقاديٌّ، وهو أن توقنَ بأنّنا نعيشُ في عالمٍ كلُّ شيءٍ فيه مخلوقٌ بقدرٍ ونظامٍ إلهيٍّ دقيق.

-وأن تعلمَ بأنّ الضّغوط التي تجتاح الإنسان في حياته، محكومةٌ بهذا النظام الإلهيّ.

-فلكي تُحسن التّعامل والتّفاعل مع هذه الضغوط؛ فاجتهد أن يكون ذلك بعيداً عن العفويّة والعشوائيّة، معتمداً في ذلك على التفكير والتخطيط فيما يتعلّق بكبار الأمور أو صغارها، وكتابتها وتوثيقها، وتحويلها لمهماتٍ محدّدة في أوقاتٍ معيّنة.

ولكي يتيسر للمسلم تحقيقُ هذا النظام في حياته، فينبغي عليه:

أوّلاً: أن يواظب على تلاوة القرآن، وعلى ذكر الله تعالى في كلّ أوقاته، فهذا هو الوقود الّذي يمُدّه بالطّاقة والحيويّة.

ثانياً: أن يُحافظ على الصلوات الخمس، فهي أركان يومه.

ثالثاً: أن يحتسب كلّ عملٍ يقوم به، أنّه عبادةٌ لله تعالى.

سائلاً الله عزّ وجلّ لنا ولك ولجميع المسلمين التوفيق والسّداد.

[1] حديث أنس في صحيح الترمذي.

   
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )
الدولة  
 
لا توجد تعليقات
وصول 755186 حاجا إلى المدينة المنورة
بلغ إجمالي عدد الحجاج الذين وصلوا إلى المدينة المنورة لأداء فريضة الحج لهذا العام 1438هـ, 186ر755 حاجا وفق الإحصائية اليومية التي أعلنتها المؤسسة الأهلية للإدلاء بالمدينة المنورة .
1200 حاج من جزر القمر يؤدون الحج هذا العام
صرَّح "عبد الفتاح سيد محمد" مدير عام الوكالة الوطنية للحج والعمرة بجزر القمر؛ بأن 404 حُجَّاجٍ مِن الدفعة الأولى للحُجَّاج القمريِّين غادَرو البلادَ أول الأسبوع الجاري؛ متوجِّهين إلى الأراضي المقدَّسة لأداء مناسِك الحج لهذا العام.
الأزهر يرد على "السبسي": آيات المواريث بالقرآن لا تقبل الاجتهاد
أعرب الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر عن رفضه لمقترح الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، حول المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وجواز زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، الأمر الذي قوبل برفض شديد في الأوساط العربية والإسلامية.
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م