دعوية
هل من سبيلٍ إلى خِلٍّ وفيٍّ يُعينُني على طاعة الله وأُعينُه

رسالة الإسلام - قسم الاستشارات
اضيف فى 2018/09/01


 

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد،

أنا شابٌّ ملتزم، أود أن أطرح معاناتي عليكم، ومش عارف أصلاً هل هي معاناةٌ حقيقية ولا لا، ولكنّي أشعر بأنني أواجه مشكلة حقيقيّة، وهي شعوري بالحاجة إلى أن أجد شابّ مقارب لي في عمري، ملتزم يشاركني في طموحاتي وأتعاون أنا وهو على السّير في طريق الالتزام وطاعة الله تعالى، يعني صديقاً لي، وتكون عنده كذلك الرغبة في الاجتهاد في طاعة الله تعالى، أنا لست انطوائيّاً، كما أنّني لست اجتماعيّاً، علاقاتي بالناس عاديّة، وأحظى لدى من يتعاملون معي بقدر من الاحترام كبير، لكنّي مقصّر في كثيرٍ من أمور ديني، وأشعر بأنني سأكون في أحسن حالاتي إذا وجدتُ ذلك الصديق الذي أحبّه ويُبادلني هو ذات الشّعور، أو يقدر مشاعري على الأقل ويرضى بأخوّتي له في الله تعالى.

فلست أدري أولاً هل هذه المشكلة حقيقيّة، وإذا كانت حقيقيّة فكيف يكون حلّها؟

 

الجواب على الاستشارة:

بدءاً شكراً لك أيُّها الشّابّ على طرقك نافذة الاستشارات بالملتقى الفقهيّ، آملين أن تجد لدينا كلّ عونٍ ونصحٍ ودعمٍ ومساندة.

وبدءاً كذلك نُنوِّهُ بالطابع الطريف لمشكلتك، ونقول لك: بلى هي مشكلة حقيقيّة، يا أخي، فاطمئن لستَ من المتوهّمين، ولكنّها مشكلة تتميَّز بنوعٍ من الدّقّة والعمق، وقابليّة الالتباس فيها بين الخطأ والصواب؛ فلنوغل فيها برفقٍ، عسى أن يتبيّن لنا فيها الحدُّ الفاصل ما بين الحقّ والباطل.

وبدءاً كذلك نؤكد ما هو متقرّرٌ لدى كافّة عقلاء البشر، من حاجة الإنسان الفطريّة إلى بناء الأواصر والعلاقاتٍ الاجتماعيّة مع الآخرين، ليُحقّق من خلال ذلك شخصيّته المتميزة، ويسعى إلى أن يكون له قبولٌ لدى الناس ومكانةٌ اجتماعيّة مرموقة، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولأجل هذا المعنى وصف ابن خلدون الإنسان بأنّه كائنٌ اجتماعيٌّ.

وتقتضي هذه الفطرة التي خلق الله عليها الناس، بل وكل الكائنات -من ضمن ما تقتضيه-: أنّ الشيء ينزع إلى ما يُشابهُه ويُجانسه، وفي ذلك يُضربُ المثل الشّهير: إنّ الطيور على أشكالها تقع.

وبناءً على ذلك نلحظُ في واقع المجتمع حركة الميل الإنسانيّ إلى المُشابه والمُجانس، حتّى إذا وجده -أو ظنّ أنّه قد وجده- احتضنه، ولزمه، وهام به، فأنت أيُّها الشابُّ بسؤالك هذا تتحرّك في هذه الدائرة، تائقاً إلى اللّقاء بمن يُجانسك، حتّى يكون لك الصديقَ المؤازرَ في رحلة حياتك، والمُعينَ لك على طاعة الله تعالى.

فالشعور بالحاجة، إلى الخلّ الوفيّ والصديق الصّفيّ، فطرةٌ إنسانيّة، ولكن ران عليها من الانحراف والضّلال، ما جعلها وادياً من أودية الغواية.

فكيف تؤدي حركة البحث عن خلٍّ وفيٍّ إلى السقوط في أودية الغواية؟

الجوابُ، أوضح لك فيه أبعاد هذه المسألة فأقول:

إنّ الخِلّ الوفيّ المجانس الذي يبحث عنه المرءُ، قد يكون من النوع الآخر ذكراً أو أنثى، ومن المعلوم أنّ الشرع الإسلاميّ قد أحاط العلاقة بين الرجل والمرأة بكثيرٍ من الضوابط الشّرعيّة، المستندة إلى حقيقة تكوين كلٍّ منهما، فحثّ المرأة على حفظ محاسنها بإسبال ثوب السّتر والعفاف، ومنع من اللقاء المنفرد بين الذّكر والأنثى، إذا لم يكونا محرَمين، إلا في ظلّ الزواج الشّرعيّ أو ما يكون سبباً شرعيّاً إليه.

وبالتالي فإنّ عدم الالتزام بهذه الضوابط الشرعيّة، في العلاقة بين الرجل والمرأة، من شأنه أن يفتح باباً كبيراً للفتنة والفساد.

أمّا إذا كان الخلُّ الوفيُّ المُجانسُ من ذات النوع، فكانت العلاقة بين رجلين أو امرأتين، فينبغي أن تتأسَّس على أساس الضوابط الشرعية والقيم الأخلاقيّة، التي تحول دون الوقوع في بعض أنواع الانحراف والشّذوذ، التي انتبه لها بعض أطبّاء القلوب من أئمّة السّلف، فانتبهوا لها وحذّروا منها، ومن أبرزها ما أسمَوه بعشق الصُّور، والتّعلُّق بالمردان، والّذي قد يبدو في ظاهره بريئاً، بيد أنّه في الحقيقة داءٌ دويٌّ، والتجربة برهانُ ذلك، وقد أفاض العلامة ابن الجوزيّ في التحذير من خطره، في كتابه "تلبيس إبليس"، فهاهنا يلتئم هوى النّفس مع فطرة الإنسان الباحثة عمّن يُجانسها، فييسُر الأمر على إبليس، فإذا بالعاشق الولهان قد أهوى إلى قاعٍ عميق.

أيُّها الشّاب المتطلّع إلى طاعة ربّه،

كانت هذه اللمحة ضرويّةً، حتى تكون بمنأىً عن الوقوع في قاع ذلك المستنقع، فإذا تبيّنت لك ملامحُ ذلك، عرّجنا إلى بيان الصورة الحقيقيّة المثاليّة للأخوّة والمحبّة في الله، التي تُجسد الفطرة الإنسانيّة السّويّة، في حال تزكيتها وارتقائها عن ذلك الواقع الغرزيّ الطبيعيّ.

وكما لحظنا فإنّ ذلك الواقع الغرزيّ الطبيعيّ، يتمثّل في دائرتين اجتماعيّتين:

-دائرة عامّة، يتطلّع الإنسانُ فيها إلى القبول والذكر الحسن، من عامّة النّاس.

-ودائرة خاصّة، يهفو الإنسانُ فيها إلى أن تكون له علاقةٌ خصوصيّة بإنسانٍ يرى أنّ ميوله مقاربة لميوله، وأنّ العلاقة به تُعينُه في معركة الحياة وما فيها من ابتلاء.

إنّ الشَّرع الحكيم، يعترف بوجود هاتين الدائرتين، ويؤمِّن على أثرهما الكبير في حياة الإنسان، ومن ثمّ يعمل على ضبط الضوابط التي تؤدي إلى أن يكون هذا الأثرُ إيجابيّاً.

والقاعدة الأساسيّة التي يتمّ في إطارها ضبط الضوابط، هي قاعدة العقيدة.

فالارتقاء الإيجابيّ عن تلكما الدائرتين الطبيعيتين، لا يُمكن أن يتمّ إلا على قاعدة الإيمان بالله وحده، والإخلاص له، ومحبّته، فأول دروس التوحيد، هو: إدراك الإنسان لعبوديّته، وشعوره بالافتقار الأصيل والدائم، لله تعالى وحده، فهو الذي بيده مقاليد الأمور، وقلوبُ العباد بين إصبعين من أصابعه، يُصرّفها كيف يشاء!

إنّ كلّ إنسانٍ هفوتَ إليه بقلبك، أو ستهفو إليه، مهما أوتي من العلم والإيمان واليقين والجمال، فذلك محضُ الفضل الإلهيّ، وبالتالي فإنّ الله تعالى هو الأولى بأن تخُصَّه بمحبّتك، فكلّ هذه الصفات هي من معين جوده العظيم.

فيجب عليك أيُّها الشابُّ، إن كنت صادقاً في دعواك -وإنّي لأظنُّك كذلك- يجب عليك: أن تقف بين يدي أسماء الله الحسنى، وتعكف عليها إحصاءً وتدبُّراً في معانيها، وتفكّراً في آثارها، فإنّها صفاتُ الخالق العظيم، الّذي أحسن كلَّ شيءٍ خلقه، فكلُّ صفةٍ جميلةٍ جذبتك في إنسانٍ من النّاس، وجبذتك إليه، فإنّها عند الله أتمُّ وأكمل، فالله تعالى هو الأولى بأن تخُصّه بمحبّتك!

بل: كلُّ محبَّةٍ لا تقوم على أساس محبَّة الله عزّ وجلّ، فإنّها ضربٌ من العاطفة الإنسانيّة الجامحة، لا ينطبق عليها لفظ المحبّة.

فهاهنا -أيُّها الشابُّ المبارك- محطّةٌ كبرى ينبغي أن تُنيخ فيها راحلتك المكدودة من التّعب، حتى تسترد أنفاسك، وتُعيد تركيب بنيتك النّفسية، ليكون مركزُ الثّقل فيها، هو محبّة الله تعالى، لتتفرّع منه وتنبثق كلُّ محبّة، وعندئذٍ فستكون أكثر رحابةً وسعةً وانطلاقاً، وذلك مصداقاً لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((الْمُؤْمِنُ يَألَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَألَفُ وَلَا يُؤْلَفُ))[1].

 

فينبغي للإنسان أن لا يتبع العواطف المحضة، حتّى يختبرها ويعرف حقيقتها، والاختبار الأساسيّ لصدق العواطفِ، هو أن تجد في نفسك أنّ محبّة الله تعالى هي التي تطغى على كيانك، وأنّك تشتاقُ إلى لقائه والوقوف بين يديه عند الصّلاة، وأنك تستشعرُ رقابته واطّلاعه عليك في كلّ لحظةٍ من لحظات حياتك، أو في غالب لحظات حياتك.

إذن، فعليك أيُّها الشَّابّ، أن تحُطّ رحالك لدى هذه المحطة المهمّة، لتراجع علاقاتك الاجتماعية وعلاقاتك الخصوصيّة. أي تلكما الدائرتان، واعلم أنّ مركزهما واحدٌ، فالارتقاء في علاقاتك العامة، سبيلٌ إلى تحقيق الارتقاء في علاقاتك الخاصة.

والصحابة رضي الله عنهم، مثلُ سائر الخلقِ، تحرّكوا في هاتين الدائرتين، ولما شعروا بما قد يكون فيهما من إشكال، توجّهوا إلى الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالسؤال، مستشيرين، فقال له قائلهم: ((أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ للهِ، فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ؟)).

فقَالَ له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ))[2].

قال العلامة ابن الجوزي: (وَالْمعْنَى: أَنَّ الله تَعَالَى إِذا تقبَّلَ الْعَمَل أوقع فِي الْقُلُوب قَبُول الْعَامِل ومدحه، فَيكون مَا أوقع فِي الْقُلُوب مبشِّراً بِالْقبُولِ، كَمَا أَنه إِذا أحبَّ عبداً حبَّبهُ إِلَى خلقه، وهم شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْض)[3].

وأحسب أنّك أيّها الشابُّ، في علاقاتك الاجتماعية، قد بلغت إلى شيءٍ من هذا المقام، فهذا ما ألمسه من قولك: (وأحظى لدى من يتعاملون معي بقدر من الاحترام كبير).

وأمّا المشكلة التي تُعانيها، فتتعلّق بتشوُّفك إلى مقامٍ أعلى منه، يشعر الإنسانُ إزاءَه بالحاجة إلى أن تكون عنده علاقةٌ خصوصيَّةٌ مع أحدٍ من البشر، يشعُر معه بأنّهما قد خُلقا ليسيرا في طريق الحياة متآزرَين، فيكون كلٌّ منهما مرآةً لأخيه، وناصحاً ومُعيناً، وهي مرتبةُ أو مقام المحبّة في الله تعالى، وذلك مقامٌ عالٍ رفيع، فلم تكن أيُّها الشابُّ مخطئاً إذ تشوَّفتَ إليه، بل فاقرأ ما رواه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في بيان المكانة العظيمة لأصحاب هذا المقام، يقول:

((لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا صَلَاتَهُ, أَقْبَلَ إِلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ, اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ للهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ, يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟، قَالَ: هُمْ جُمَاعٌ مِنْ نَوَازِعِ الْقَبَائِلِ، تَصَادَقُوا فِي اللهِ, وَتَحَابُّوْا فِيهِ، عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ, وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ, فَيَنْتَقُونَ أَطَايِبَ الْكَلَامِ كَمَا يَنْتَقِي آكِلُ التَّمْرِ أَطَايِبَهُ، فَوَاللهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى، مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ , وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآية: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}))[4].

أرأيت إلى هذا المقام العالي الرّفيع الّذي يناله المتحابُّون في جلال الله تعالى!؟

والسؤال هو: كيف نالوا هذا المقام؟

وفي الإجابة عنه، أيُّها الشابّ المبارك، دعني أسجّل لك نقاطاً أساسيّة مباشرة، فيما يتعلّق بمشكلتك التي أوردتها، التي هي مشكلة كلّ شابّ ملتزم تهفو نفسُه إلى البحث عن صديقٍ صدوق، يُعينه ويؤازره، فأقول:

أوّلاً: اجعل شُغلك الشاغل، هو محبّة الله -عزّ وجلّ- فإذا أحبّك الله، حبّبَ فيك خلقه، وتأمّل فيما روي عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: (كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ , إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟، قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنْ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ)، وهذا الرجل إنّما اعتمد في حكمه هذا على ما روي عن أبَي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ))[5].

ثانياً: إذا أحببت أحداً أو شيئاً، فاجعل محبّتك له خالصةً لله -عزّ وجلّ- ليس فيها من نصيبٍ لأحد، فقد روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ:

-أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،

-وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ،

-وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))[6].

ثالثاً: لا تُهدر طاقتك النّفسيّة، منتظراً ظهور (المحبوب المهدي) في حياتك، حتى ترقى في مراقي التوحيد والعمل الصالح، بل فارتقِ منذ الآن، وعندئذٍ يُسخّر لك الله من ارتقى مثلك، فتُحبُّه ويُحبُّك، وتؤازره على مشاقّ الحياة وابتلاءاتها ويؤازرك، وذلك كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، قال السَّعديُّ: (وإنَّما جعل الله لهم وُدا، لأنهم ودُّوه، فودَّدَهم إلى أوليائه وأحبابه)[7].

فخلاصة القول:

إنَّه ليس من الحكمة، بل هو من الخطأ البيِّن: أن تتوقف أو تبطئ من سعيك في سبيل تزكية النفس، ودعوة الآخرين إلى الهدى، متعلّقاً بالبحث عن صديقٍ صدوقٍ وخلٍّ وفيٍّ، بل في سياق الدعوة والحركة والتنافس من أجل العمل الصالح، يلتقي المؤمنون، مصداقاً لقول الله تعالى:  {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]، فالإيمان والعمل الصالح هو الخطوة الأولى لكلّ الدعاة العاملين، ثم في إطاره يتواصَون بالحقِّ ويتواصون بالصّبر، وليس هذا بمانعٍ من أن يقدّر الله لرجلين أن تتوشّج بينهما رابطة الأخوّة والحبّ في الله، في ابتداء السّير، لكن ذلك لا يكون هدفاً يسعى إليه الإنسان، ويجعله شرطاً لانطلاقه في طريق الدعوة، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلّبها كيف يشاء.

وفّقك الله، أيّها الشابُّ، إلى تجاوز هذه العقبة، والانطلاق في طريق العبوديّة لله تعالى.

والحمد لله ربّ العالمين.

المراجع

[1] رواه الطبراني في الأوسط (5787) والإمام أحمد في مسنده (9187)، والحاكم في مستدركه (59)، وأورده الألباني في صَحِيح الْجَامِع: (6662)، والصَّحِيحَة: (426), وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.

[2] حديث مجمّع من عدة روايات: رواه مسلم (2642) وابن ماجة (4225) وأحمد (21417)، عن: الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (5/ 11).

[3] كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 371).

[4] الحديث مركب الأسانيد، رواه أبو داود (3527)، والنسائيّ في الكبرى (11236) , (حب) 573 , صحيح موارد الظمآن: 2126، عن: الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (7/ 499).

[5] رواه مسلم (2637).

[6] رواه البخاري (16) ومسلم (43).

[7] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 501).

 

الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )
الدولة  
 
لا توجد تعليقات
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م