نفسية
كيف أحرّر دواخلي من آثار هذه الفاجعة

رسالة الإسلام - قسم الاستشارات
اضيف فى 2018/06/04


 

فهذه استشارة عاجلة، وردت إلينا من امرأةٍ جاءت برفقة زوجها إلى العمرة، في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان، ومضمون المشكلة التي تُعانيها منها هذه الأخت، يتمثل فيما يلي:

أنّ زوجها رجل أربعينيّ، تعرّض لموقف صادم، وهو أنّه بدون قصدٍ دهس ابن أخيه الصغير بسيّارته، ممّا أدّى إلى أن تنتاب أخاه مشاعرُ الحزن العميق تأثّراً بوفاة ابنه، حتّى توفّي هو أيضاً، فأدى هذا الحدث المأساويّ إلى أن زوج هذه المرأة أصابته صدمةٌ نفسيّة، أفقدته الوعيَ، وفيما بعد صارت تنتابه من حينٍ لآخر نوباتٌ نفسيّة، يُسيطر فيها عليه الغضب العارم، ولا يُبالي فيها بما يقوله ويفعله، لمن يكون حاضراً، سواء زوجته أو أمّه أو غيرهما، وذلك بتأثير هذه الحالة النفسيّة، ومن ذلك أنّه عندها يحكم على زوجته بالطلاق، لكنّه بعد انقضاء النّوبة يهدأ ولا يكاد يذكر ما قاله أو فعله.

تقدّمت إلينا زوجته مستشيرةً، طالبةً النصح والإرشاد، فيما يخصُّ معالجة هذه الحالة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعدُ،


فبدءاً نشكر لهذه الأخت ثقتها في نافذة الاستشارات بالملتقى الفقهيّ، آملين أن تجد لديها بإذن الله ما ترومه من دعمٍ ومساندة.

ونقول: أمّا هذه الحالة من حيث تشخيصها، فواضح أنّ هذا الأخ واقعٌ تحت تأثير الصدمة النفسية التي حدثت له بسبب دهسه لابن أخيه، مما قدّر الله أن يكون سبباً في وفاة أخيه.

والحمد لله، أنّ هذه الصدمة بمرور الوقت، تراخى أثرها إلى أن يكون نوباتٍ تنتابه من حينٍ إلى آخر، فهذا معناه أنّ آثار الصدمة قد امّحت كثيراً من ذاكرته، ولكن بقي منها شيءٌ عميق استعصى على المحو والنسيان.

فالّذي نراه أنّ هذا الأخ يحتاج إلى غسيلٍ معنويٍّ عميق للعقل وللقلب، من أجل إزالة الآثار الباقية من هذه الصدمة.

أمّا من حيث العقل، فلا يمكن محو الحدث من ذاكرة هذا الشخص، لكن يُمكن وينبغي أن نُغيّر من طريقة فهمه لما جرى وتفاعله معه، وذلك بمراعاة التّنبيهات التّالية:

أولاً: تذكّر قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145]، فموت الطفل وأبيه مقدّر عند الله تعالى، سواءٌ بذلك السبب أو بغيره، تعدّدت الأسباب والموت واحدٌ، كما يقولون.

فنحن نعذرك من حيث إنّ الصدمة كانت كبيرةً، ولكن كان بإمكانك أن تتجاوزها لو أنّك استرجعت في مصيبتك، وقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلمتَ أنّه بلاءٌ من الله تعالى، واختبارٌ لصبرك.

ثانياً: ما كان لأخيك أن يتمادى به الحزن إلى تلك الدرجة، لو أنّه قد عرف عظيم الأجر والثواب الذي ادّخره الله تعالى لمن ابتُلي بفقد ولده فصبر، ولكن هذا ما قدّره الله تعالى، ولا رادّ لقضائه، فاستغفر لأخيك.

إذن، خُطّ في عقلك بكلّ وضوحٍ: أنّ هذا الحدث الذي جرى، كان لا بُدّ من جريانه، سواءٌ على يديك أو على يدي غيرك.

ربّما أنّك أخطأتَ عند وقوع الحادث الفاجع، بأن وقع منك شيءٌ من الإهمال واللا مبالاة، فهو الّذي يُعمّق إحساسك بالذّنب، ولكن من المؤكد أنك لم تقصد إحداث الحدث، فعندئذٍ ليس عليك سوى أن تستغفر الله عزّ وجلّ لما كان منك من إهمالٍ وعدم تبصُّر.

هذا كلُّ ما هنالك فيما يتعلّق بضبط ما يتعلّق بعقلك وفهمك للحدث، وهي أمورٌ واضحة.

ولكنّك ينبغي أن تبذل جهوداً مضاعفة من أجل ضبط ما يتعلّق بالقلب، فإنّ ما بالقلب هو الذي يستولي على وعيك، ويدفعُك للوقوع في أسر تلك النوبات النفسية.

إنّ شعورك بالذّنب، وأفكارك الأولى الخاطئة حول الحادثة الأليمة، قد عقدت في قلبك عقدةً نفسيّة، أو ربّما عدة عُقد نفسيّة، يلزمك لحلّها وغسل قلبك من آثارها، أن تجتهد اجتهاداً كبيراً.

ومن توفيق الله عزّ وجلّ: أنّ هذا الرجل مع زوجته في الأرض المقدسة، وعلى أبواب العشر الأواخر من شهر رمضان، إذن فالزمان والمكان يدعمانه ويوفّران له بيئةً مناسبة جدّاً للعلاج المكثّف الذي يحتاجه، فعلى هذا الرجل من أجل ذلك، أن يجتهد في اتّباع التوجيهات التالية:

*بدءاً قد يجب عليك، حال كونك تُعاني من هذه الآثار النفسية العميقة، وترغب في التّعافي منها- أن تنوي نيّة الاعتكاف بالحرم المكيّ أو الحرم المدنيّ.

*في بدء اعتكافك: قرّر في نفسك التوبة إلى الله عزّ وجلّ من كلّ ماضيك، وافتح صفحةً جديدة من حياتك، يكون القرآن فيها رفيقك الدائم.

*واظب على إقامة الصّلوات الخمس، بأن تكون مستعدّاً لها بالوضوء قبل وقتٍ كافٍ، فتُصلي النوافل الراتبة قبلها أو بعدها.

*واظب على صلاتي التراويح والتهجد، وأنت متدبّر في التلاوة، مجتهداً في الخشوع، مستشعراً حال كونك بين يدي الله تعالى، حاملاً خطاياك وأوزارك، متضرّعاً إليه أن يضعها عنك.

*اقضِ أوقاتك في تلاوة القرآن الكريم، آناء الليل وأطراف النّهار.

*التزم بفقه السُّنّة في الطعام، فلا تأكل لحدّ الشّبع، فإنّ كثرة الطعام من شأنها أن تضيّع وقتك، وتضطرَّك إلى الخروج من حينٍ لآخر من الحرم، وبالمقابل فاعلم أنّ القصد في الطعام، يُعينك على الاجتهاد، وعلى استجاشة حال الخشوع، التي أنت بأمسّ الحاجة لاستجاشتها، لأنك بحاجة إلى إحداث تأثيرٍ عميق في بنية نفسك وفي أعماقها.

*اضرع إلى الله عزّ وجلّ بالدعاء، وأكثِرْ خاصّةً من الأدعية التي تتعلق بإزالة الهموم والغموم، وليكن "حصنُ المسلم" في الأدعية والأذكار رفيقك بعد القرآن الكريم.

*اجعل حياتك وأنت في الحرم مع إخوانك المسلمين، مبنيّة على الورع والتّسامح والتّغاضي.

*وكلّما انتابك كسل أو فتورٌ، تذكر أنّ لديك هدفاً كبيراً تريد أن تحقّقه.

وثِق بأنّ الله عزّ وجلّ، سيُنزل على قلبك عندئذٍ سحائب الرحمة والمغفرة، ويُزيل كلّ أثرٍ باقٍ من ذلك الحديث الأليم.

وفّقك الله تعالى إلى ما يُحبُّه ويرضاه.

 


الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )
الدولة  
 
لا توجد تعليقات
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م